أولا: هناك أصل عام في الشريعة وهو أن كل جسد الآدمي مكرم ممنوع من الابتذال والامتهان ولا يجوز بيعه لا حيًّا ولا ميتًا، والفقه الإسلامي يعتبر حق الإنسان في سلامة جسده وضمان سلامته الجسمية من مقاصد الشريعة، فإن الله خلق الإنسان وكرمه وشرفه، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]. ولذا فقد حرم الإسلام الإضرار بالنفس بأي شكل من الأشكال، فقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 29، 30]. وفِي السنة نجد ما يؤيد هذا؛ ففي البخاري عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ». وفي البخاري أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهْوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسَمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا». وهذا أصل عام.
ثانيًا: أجمع الفقهاء من المذاهب الأربعة على أن شعر الآدمي جزء منه، وله ذات الكرامة، ولا يجوز التصرف فيه بالبيع؛ لأن فيه امتهانًا، وظاهر كلامهم يدل على المنع، ففي مذهبنا كما نقل غير واحد من الأحناف: لا يجوز بيع شعور الإنسان، ولا الانتفاع بها؛ لأن الآدمي مكرم لا مبتذل، فلا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مهانًا ومبتذلًا. وقال العدوي المالكي في حاشيته على شرح مختصر خليل للخرشي: تنبيه: سئل مالك عن بيع الشعر الذي يحلق من رؤوس الناس، فكرهه.
وقال النووي في المجموع -وهو من كتب الشافعية-: ما لا يجوز بيعه متصلًا لا يجوز بيعه منفصلًا، كشعر الآدمي.
وقال البهوتي في “كشاف القناع” -وهو من كتب الحنابلة-: ولا يجوز استعمال شعر الآدمي مع الحكم بطهارته لحرمته، أي احترامه. وهكذا نجد أن المذاهب تشددت فيما يخص جسد الإنسان، ولا يجب التعدي في هذا إلا في حالة الضرورة وبشروط خاصة.
ثالثًا: والحق أن المسألة المذكورة تشبه تمامًا مسألة التبرع بالدم، وذلك لأن الدم مما يتجدد في الجسم، وكذا الشعر مما يتجدد، ولأن الدم نحتاج إلى التخلص من بعضه في بعض الأوقات كما يفعل الحجام في عهد النبوة، وكذلك الشعر نحتاج لإزالته أحيانا لئلا تتبشع الخلقة. فالمشابهة قائمة من وجوه.
وقد أفتى أكثر العلماء بجواز التبرع بالدم، وذلك فهمًا من النص القرآني، فقد قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]. ومع ذلك فقد استثنى حالة الاضطرار فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]. فالدم المنفصل عن الجسد لايستفيد منه الآدمي لنفسه، ولكنه قد يفيد به غيره، كذا الشعر إن كان فيه فائدة إذ العلة واحدة، وقد أمرنا الله سبحانه بالتعاون فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: كان لي خال يرقي من العقرب فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، قال فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب. فقال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ». وهذا ورد في باب التداوي، وهو نص عام يخصصه ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما.
والأحاديث في إعانة المسلم ورفع البلاء عنه مستفيضة لها عموم يكفي للجواز. وعليه فلا يضر إن شاء الله أن تتبرع المرأة ببعض شعرها، لا سيما الذي يسقط بنفسه لاستعماله في الدواء إن كان هذا واقعًا ومفيدًا قياسًا على التبرع بالدم.
المفتي: د خالد نصر
ثانيًا: أجمع الفقهاء من المذاهب الأربعة على أن شعر الآدمي جزء منه، وله ذات الكرامة، ولا يجوز التصرف فيه بالبيع؛ لأن فيه امتهانًا، وظاهر كلامهم يدل على المنع، ففي مذهبنا كما نقل غير واحد من الأحناف: لا يجوز بيع شعور الإنسان، ولا الانتفاع بها؛ لأن الآدمي مكرم لا مبتذل، فلا يجوز أن يكون شيء من أجزائه مهانًا ومبتذلًا. وقال العدوي المالكي في حاشيته على شرح مختصر خليل للخرشي: تنبيه: سئل مالك عن بيع الشعر الذي يحلق من رؤوس الناس، فكرهه.
وقال النووي في المجموع -وهو من كتب الشافعية-: ما لا يجوز بيعه متصلًا لا يجوز بيعه منفصلًا، كشعر الآدمي.
وقال البهوتي في “كشاف القناع” -وهو من كتب الحنابلة-: ولا يجوز استعمال شعر الآدمي مع الحكم بطهارته لحرمته، أي احترامه. وهكذا نجد أن المذاهب تشددت فيما يخص جسد الإنسان، ولا يجب التعدي في هذا إلا في حالة الضرورة وبشروط خاصة.
ثالثًا: والحق أن المسألة المذكورة تشبه تمامًا مسألة التبرع بالدم، وذلك لأن الدم مما يتجدد في الجسم، وكذا الشعر مما يتجدد، ولأن الدم نحتاج إلى التخلص من بعضه في بعض الأوقات كما يفعل الحجام في عهد النبوة، وكذلك الشعر نحتاج لإزالته أحيانا لئلا تتبشع الخلقة. فالمشابهة قائمة من وجوه.
وقد أفتى أكثر العلماء بجواز التبرع بالدم، وذلك فهمًا من النص القرآني، فقد قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: 3]. ومع ذلك فقد استثنى حالة الاضطرار فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]. فالدم المنفصل عن الجسد لايستفيد منه الآدمي لنفسه، ولكنه قد يفيد به غيره، كذا الشعر إن كان فيه فائدة إذ العلة واحدة، وقد أمرنا الله سبحانه بالتعاون فقال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]. وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه قال: كان لي خال يرقي من العقرب فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، قال فأتاه فقال: يا رسول الله إنك نهيت عن الرقى وأنا أرقي من العقرب. فقال: «مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ». وهذا ورد في باب التداوي، وهو نص عام يخصصه ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»، حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما.
والأحاديث في إعانة المسلم ورفع البلاء عنه مستفيضة لها عموم يكفي للجواز. وعليه فلا يضر إن شاء الله أن تتبرع المرأة ببعض شعرها، لا سيما الذي يسقط بنفسه لاستعماله في الدواء إن كان هذا واقعًا ومفيدًا قياسًا على التبرع بالدم.
المفتي: د خالد نصر