(ف254) العديد من المستشفيات اليوم في بعض الأماكن تتيح للأبوين الخيار للتصرّف بما يسمونه الـ “cord blood” والـ”cord tissue” ، وهو الدم المتبقي في الحبل السري بعد ولادة الطفل وأيضًا بعض خلايا الحبل السري نفسه، وأهمية هذا باختصار تكمن في احتوائها على الكثير من الخلايا الجذعية “stem cells” التي تستطيع أن تنمو وتتشكل لتستبدل خلايا أخرى فاسدة في أجزاء مختلفة من الجسم، فتساعد -إن كانت صالحة- في علاج بعض أمراض الدم وغيرها. والخيار يكون (1) إما بالحفاظ على هذه الخلايا بتخزينها في بنوك الدم المتخصصة تحت ملكية العائلة بحيث يستطيع الإخوة مثلًا الاستفادة منها. (2) أو التبرع بها لبنوك الدم، لكن تحت ملكية عامة بحيث يستفيد منها أي شخص. (3) أو التخلص منها كنفايات طبية بعد الانتهاء من الولادة. وربما الشائع إلى هذا اليوم هو الخيار الثالث، لكن السؤال هنا هل هناك إشكالية شرعيّة في الخيارين (1) أو (2)، علمًا بأنه في معظم الحالات لا يمكن للأبوين معرفة مدى احتياجهم لهذه الخلايا؟

أولا: الحبل السري هو القناة التي تصل الجنين بالمشيمة داخل الرحم, ووظيفته نقل الفضلات التي تتكون في جسم الجنين إلى دورة الأم الدموية؛ حيث يفرز من جسم الجنين ثاني أكسيد الكربون ومواد البول.
كما أنه يقوم بحمل الأكسجين والعناصر الغذائية من الأم إلى دم الطفل.
وبعد الولادة تسقط بقاياه بعد عشرة أيام ويكون في مكان إزالته السرة من جهة الجنين.
وعلى هذا فهو أنبوب يصل الأم بالجنين في الرحم، وليس جزءا من تكوين الأم أصالة، ولا تكوين الجنين أصالة.
ثانيًا: الخلايا الجذعية هي المواد الخام للجسم، فهي الخلايا التي تتولد منها جميع الخلايا الأخرى التي تؤدي الوظائف المتخصصة. وتنقسم الخلايا الجذعية في ظل الظروف المُناسبة في الجسم أو المختبر لتكوّن مزيدًا من الخلايا تسمى الخلايا الوليدة.
وهذه الخلايا الوليدة إما أن تصبح خلايا جذعية جديدة أو خلايا متخصصة (متمايزة) ذات وظيفة أخرى أكثر تخصصًا مثل خلايا الدم أو خلايا الدماغ أو خلايا عضلة القلب أو الخلايا العظمية. ولا تتمتع خلايا أخرى في الجسم بهذه القدرة الطبيعية على توليد أنواع جديدة من الخلايا.
ومصادر الخلايا الجذعية متنوعة:
– الخلايا الجذعية الجنينية:
تأتي هذه الخلايا الجذعية من الأجنة التي تتراوح أعمارها بين 3 و5 أيام، ويطلق على الجنين في هذه المرحلة الكِيسة الأُريمية، ويحتوي جسمه على 150 خلية تقريبًا.
– الخلايا الجذعية البالغة:
توجد هذه الخلايا الجذعية بأعداد قليلة في غالبية أنسجة البالغين، مثل نخاع العظم أو الدهون. وتتميز الخلايا الجذعية البالغة بقدرة محدودة على تكوين خلايا الجسم المختلفة مقارنة بالخلايا الجذعية الجنينية.
– خلايا جذعية ناتجة عن إعادة البرمجة الوراثية:
ويمكن للباحثين عن طريق تحويل الخلايا البالغة إعادة برمجة الخلايا حتى تؤدي وظائف الخلايا الجذعية الجنينية نفسها.
– الخلايا الجذعية قبل الولادة:
اكتشف الباحثون وجود خلايا جذعية في السائل السَّلَوِي بالإضافة إلى دم الحبل السري. وتمتلك هذه الخلايا الجذعية القدرة على التحوّل إلى خلايا متخصصة.
ثالثا: يعزز العلاج بالخلايا الجذعية -يُعرف أيضًا باسم الطب التجديدي- استجابة إصلاح الأنسجة المريضة أو المختلة وظيفيًّا أو المصابة باستخدام الخلايا الجذعية أو مشتقاتها. وهذه من أحدث الابتكارات في مجال زراعة الأعضاء، وهي تُجرى باستخدام الخلايا بدلًا من أعضاء المتبرعين محدودة التوافر.
ويعمل الباحثون على زراعة الخلايا الجذعية في المختبرات. وتوظّف هذه الخلايا الجذعية لتُستخدم خصيصًا في أنواع معينة من الخلايا، مثل خلايا عضلة القلب، أو خلايا الدم، أو الخلايا العصبية.
ويمكن بعد ذلك زراعة الخلايا المخصصة في المريض. فعلى سبيل المثال، إذا كان الشخص مصابًا بمرض في القلب، يمكن حقن الخلايا في عضلة القلب. وقد تساهم بعد ذلك خلايا عضلة القلب السليمة المزروعة في إصلاح عضلة القلب المُصابة.
(ما ذكر بشأن الخلايا هنا منقول من موقع مايو كلينك).
رابعًا: التداوي وإحياء النفس من المندوبات في الشريعة، وشرطه أن يكون بطريق لا يمنعه الشرع، والشرع لا يمنع من التبرع بدم الحي أصالة (حتى عند من يمنعون التبرع بالأعضاء وأنا لست منهم) لأن الدم شيء يتجدد مع الوقت.
والاستفادة بالحبل السري بعد الولادة (شرطا) لا حرج فيه بالمرة، فيجوز استعماله مباشرة أو حفظه في بنوك خاصة لاستعماله لاحقا، وليس فيه ما في ماء الرجل أو بويضة المرأة من المعنى؛ إذ هو أنبوب وفيه خلايا، مثله مثل الأوردة والشرايين والقنوات.
بل نقول: إن تبرع المرأة بالحبل السري تثاب عليه ثواب من يحيي حياة: ﴿‌وَمَنْ ‌أَحْيَاهَا ‌فَكَأَنَّمَا ‌أَحْيَا ‌النَّاسَ ‌جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
المفتي: د خالد نصر