(ف268) هل يجوز التبرع بأموال الزكاة لمؤسسات سياسية إسلامية تسعى للدفاع عن حقوق المسلمين السياسية في أمريكا وفي عالمنا الإسلامي من أجل خلق رأي عام سياسي يمنع الظلم ويحفظ دماء المسلمين، مثل مؤسسة كير وغيرها؟ كذلك هل يجوز دفع ذلك لدعم مرشحين سياسيين لخدمة مصالح المسلمين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين؟ علمًا بأن هذا الدعم لن يعود بأي نفع شخصي على المتبرع وإنما هو لمصلحة المسلمين عامة.

أولا: لا يخفى الخلاف الفقهي في تفسير قوله تعالى: ﴿‌وَفِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ﴾ [التوبة: 60]، وهو خلاف قديم تمثل في صورة رأي يمثل جمهور العلماء ومنهم المذاهب الأربعة، يضيق المفهوم ويقصره على الجهاد بالسيف، ورأي يمثل قلة من العلماء، ومنهم بعض أتباع المذاهب، فيتوسع في تفسير ما يحتمله اللفظ بصورة محسوبة، كمن يُدْخِلُ طالب العلم، أو الحاج المنقطع وما إلى ذلك.
وقد حاول البعض التوسع في تفسير مفهوم سهم ﴿في سبيل الله﴾ لا سيما في العصر الحديث.
وصار البعض يجتهد فيه اجتهادًا لا يجافي فقط دلالة النص ومعجز النظم، بل يجافي أيضًا ما فهمه السادة العلماء مما يحتمله النص أو لا يحتمله، حيث جعل هؤلاء السهم بابًا لكل أبواب الخير والبر.
ثانيا: يحاول بعض المتوسعين في استعمال سهم ﴿فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ﴾ تبرير ما ذهبوا إليه بأمرين:
– قيام الحاجة.
– اختلاف الزمان وأحوال الناس.
ومن ينظر إلى كلا الأمرين، يجد أنهما قائمان في كل زمان ومكان، ولا نختص بهما دون من مضى وقضى.
فالحاجة لتغطية أبواب الخير قائمة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، بل إنها كانت في عهدهم أشد، حيث لم يكن ثمة دولة وضرائب ومكوس، ولم يكن هناك مصادر طبيعية للدخل، بل كانوا يكفون حاجة دنياهم من أبواب الصدقة والتبرع، ومع ذلك لا نعلم أنهم توسعوا في استعمال السهم توسع من فاضت عليهم الحياة بأسباب الحياة، وصار عندهم ما يعطونه فضلًا عن الزكاة المفروضة، ثم لا تكون بهم حاجة أو خصاصة.
ثالثا: لاحظت أن المتوسعين في تفسير سهم ﴿فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ﴾ يستعملون مادة التبرير والتمرير فقط في جانب الصرف، ولا يجتهدون ويتوسعون بنفس القدر في جانب التحصيل، فالزكاة ما هي إلا قبض وصرف.
فنراهم يتوسعون فيمن يستحق، ومن يستفيد من هذا السهم، بدافع الحاجة وتغير الأحوال، فهم بهذا مجتهدون، على حين أننا نراهم في نفس الوقت متشددين ظاهريين فيما تجب فيه الزكاة، فلا زكاة في الجوهر لأنه لم يرد به نص، ولا زكاة في المستغلات لأنها أدوات الصناعة، ولا زكاة في كذا وكذا لغياب النص مع قيام أسباب الاجتهاد والإلحاق.
وهؤلاء لا يجدون في أنفسهم حرجًا أن يزكوا مال سيدة عجوز بلغ مالها نصابًا بالكاد، ويستثنون أميرة أو شيخة أو سيدة أعمال لديها من الجوهر والأحجار الكريمة ما لا يحصى ولا يعد!! ودليلهم غياب النص الموجب، مع أن النص الموجب قائم وحاكم في النظائر والأشباه.
الأصل العام في العبادات -ومنها الزكاة- أنها قائمة على التضييق، كما أن الأصل العام في المعاملات أنها قائمة على التوسعة، لارتباط كلٍّ بمفهوم الحكمة سلبًا وإيجابًا.
ومن أراد أن يجتهد في المصارف فليجتهد بذات القدر في المصادر.
رابعًا: لا يمكن إهمال واقع الحال؛ فبعض من يسعى في توسيع مصرف في سبيل الله، له مصلحة في ذلك، وقد رأيت العجب العجاب في هذا.
فبعض من يقومون على المؤسسات كالمدارس والمساجد والمنظمات وغيرها يقول بهذا الرأي، وهو لا يحسن قراءة الفاتحة، ولا يعي شيئًا من الفقه لا أصولًا ولا فروعًا، بل صار جل ميزانيتهم من مال الزكاة؛ لأنه مال مضمون، إذ فيه حرج الشعيرة.
والسؤال للمتوسعين: هل ما نراه في المساجد من تسلط مجالس الإدارات يخدم الدعوة؟
وهل ما نراه في المنظمات من الشللية والإثنية يخدم الدعوة؟
ولماذا لا نرى هذا الأثر الكبير لجهاد الدعوة المشار إليه؟
واقع الحال يقول: إن مال الفقراء والمساكين يصرف على بهرجة هؤلاء، فهذا يقيم مسجدًا بالرخام، وهذا لا يعجبه السجاد فيغيره، وهذا يقيم مأدبات لسياسيين هم إلى الفساد أقرب منهم لغيره، يبيعون الوعود في كل سوق ينصب لهم، وهذا يفعل كذا وكذا.
وخلال كل ذلك يضيع حق الفقراء والمساكين.
أرجو من السادة العلماء أن يتدبروا الأمر في ضوء مقاصد الشريعة العامة وقواعدها الكلية.
ولا حرج أن يدخل جهاد الكلمة في مفهوم الجهاد بصورته العامة، ولكن لا يجوز أن نتوسع تأويلًا في إدخال ما ليس بجهاد فيه طمعًا أو تساهلًا.
ولقائل أن يقول: ألا ترى معي أن من حكمة الله عز وجل أن يقول: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بدلًا من: (وفي الجهاد) مثلا، أو حتى: (وفي القتال) ليحصُره في الجهاد بالنفس دون غيره؟ ولو قال عز وجل: (وفي القتال) لحُسِم الأمر ولقلنا جميعًا: سمعنا وأطعنا، ولكن الحكيم الخبير لم يقُل، وما كان ربّك نسيًّا؟!
وللرد على هذا التساؤل حول التنبيه على الفروق اللغوية بين كلمة (في سبيل الله) وبين غيرها مما يدل على فعل بدني، أبين سبب استعمال التركيب الإضافي بدل الكلمات المفردة.
أولا: لا يجادل أحد أن التركيب الإضافي (في سبيل الله) إذا خلا من السياق فهو عام يدل على غاية الفعل؛ أي فعل، فهو يشير إلى النية والقصد من الفعل.
وهو بهذا يشمل كل ما تدخله النية سواء كان من أعمال الدنيا أو الدين.
فمن أكل لمجرد حب الطعام يختلف عمن أكل ليتقوى على الطاعة وليحافظ على نعمة الجسد من الفساد، فالأول عمله لنفسه، والثاني في سبيل الله.
وعلى ذلك فجملة (في سبيل الله) من حيث التركيب جملة محايدة تشير إلى النية والقصد.
ومع ذلك فقد جاء الاستعمال وتسلط على هذا المعنى اللغوي، وجعل له ضوابط خارجية حاكمة، قصرت بالعموم المطلق، وجعلت منه عمومًا مخصوصًا.
فمن ذلك مثلا: من يسرق كي يطعم الفقراء، فهذا وإن كانت نيته خيرًا ومتوجهة لرضا الله، إلا أنه فعلها على غير إذن الشارع، الذي حرم السرقة.
وهنا يأتي ضابط آخر لجعل العمل (في سبيل الله): أن يكون العمل لله وعلى مراد الله.
ومراد الله يظهر من أوامره ونواهيه، في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم.
ثانيا: هناك فرق بين كلمات (في سبيل الله) (الجهاد) (القتال):
فالقتال يشير إلى فعل بدني محض، وقد جاء استعماله في القرآن بهذا المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿‌كُتِبَ ‌عَلَيْكُمُ ‌الْقِتَالُ ‌وَهُوَ ‌كُرْهٌ ‌لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]. ﴿‌قَاتِلُوا ‌الَّذِينَ ‌يَلُونَكُمْ ‌مِنَ ‌الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123]، ﴿‌وَاقْتُلُوهُمْ ‌حَيْثُ ‌ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191].
والقتال كلمة محايدة، تستعمل في الخير وتستعمل في الشر.
وإلى ذلك أشار القرآن: ﴿‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌يُقَاتِلُونَ ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ ‌وَالَّذِينَ ‌كَفَرُوا ‌يُقَاتِلُونَ ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 76].
أما الجهاد فهو بالمعنى والاستعمال أوسع بكثير من القتال، فالجهاد من الجهد، وهو ما يقتضي نية وإرادة وفعل، فمذاكرة التلميذ جهاد، وسعي رب الأسرة جهاد، وحمل المرأة جهاد، وعمل الداعية جهاد، ورباط الجندي جهاد.
والجهاد كلمة محايدة أيضًا، يمكن أن تقع في الخير ويمكن أن تقع في الشر.
فمن الأولى قوله تعالى: ﴿‌وَجَاهِدُوا ‌فِي ‌اللَّهِ ‌حَقَّ ‌جِهَادِهِ ﴾ [الحج: 78].
ومن الثانية: ﴿‌وَإِنْ ‌جَاهَدَاكَ ‌عَلَى ‌أَنْ ‌تُشْرِكَ ‌بِي ‌مَا ‌لَيْسَ ‌لَكَ ‌بِهِ ‌عِلْمٌ﴾ [لقمان: 15].
أما كلمة: (في سبيل الله) فلا تكون إلا في الخير، ولذا كانت صفة مقيدةً متسلطة على كلمتي (الجهاد) و(القتال) لتجعل منها عملًا مشروعًا.
كما أن الجهاد في المعنى الشرعي يشمل كل جهد يبذله المسلم ولذا قال الراغب: (والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس. وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: ﴿‌وَجَاهِدُوا ‌فِي ‌اللَّهِ ‌حَقَّ ‌جِهَادِهِ﴾ [الحج: 78])[المفردات في غريب القرآن].
ولصرف معنى الجهاد لمعنى إعلاء كلمة الله، جاء الاستعمال القرآني في أكثر المواضع بالقيد بالجار والمجرور (في سبيل الله) وجعله متعلق الفعل أو المصدر. فصار (وجاهدوا في سبيل الله) مسكوكًا لغويًّا ينصرف لمفهوم الجهاد بمفهومه الفقهي الإسلامي.
ومن ذلك في القرآن:
﴿‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَالَّذِينَ ‌هَاجَرُوا ‌وَجَاهَدُوا ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ‌وَابْتَغُوا ‌إِلَيْهِ ‌الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: 35].
﴿‌إِنَّ ‌الَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَهَاجَرُوا ‌وَجَاهَدُوا ‌بِأَمْوَالِهِمْ ‌وَأَنْفُسِهِمْ ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ…﴾ [الأنفال: 72].
﴿‌وَالَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌وَهَاجَرُوا ‌وَجَاهَدُوا ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 74].
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ ‌وَأَنْفُسِهِمْ ‌أَعْظَمُ ‌دَرَجَةً ‌عِنْدَ ‌اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [التوبة: 20].
﴿‌انْفِرُوا ‌خِفَافًا ‌وَثِقَالًا ‌وَجَاهِدُوا ‌بِأَمْوَالِكُمْ ‌وَأَنْفُسِكُمْ ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41].
ومن ذلك في السنة:
– عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». [متفق عليه].
– عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لغدوة في سبيل الله، أو روحة، خير من الدنيا وما فيها». [متفق عليه].
– عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي الناس أفضل؟ قال: «مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله» قال: ثم من؟ قال: «مؤمن في شعب من الشعاب يعبد الله، ويدع الناس من شره». [متفق عليه].
ثالثًا: من الأبواب المهمة في فهم القرآن الكريم باب الكناية:
فمنه قوله تعالى: ﴿‌وَحَمَلْنَاهُ ‌عَلَى ‌ذَاتِ ‌أَلْوَاحٍ ‌وَدُسُرٍ ﴾ [القمر: 13] كناية عن السفينة.
وأغراض الكناية متنوعة وكثيرة، وقد يغلب المجاز الحقيقة، ومن ذلك مثلا لفظ (النكاح) حقيقة في الوطء مجاز في العقد، بدليل أن لفظ النكاح في أصل اللغة عبارة عن الضم، ومعنى الضم حاصل في الوطء لا في العقد، ومع ذلك كثر استعماله في العقد في أكثر آيات القرآن ومنها: ﴿وَلَا ‌تَعْزِمُوا ‌عُقْدَةَ ‌النِّكَاحِ ‌حَتَّى ‌يَبْلُغَ ‌الْكِتَابُ ‌أَجَلَهُ ﴾[البقرة: 235]. وليس المقصود هو الدخول بل مطلق العقد.
ومن ذلك أيضا لفظ العقيقة اسم للشعر الذي يكون على رأس الصبي حال ما يولد، ثم تسمى الشاة التي تذبح عند حلق ذلك الشعر عقيقة، من باب إطلاق المسبب على السبب.
وكذلك الحال مع كلمة (في سبيل الله) لما كانت غاية الجهاد والقتال، غلبت عليهما في الاستعمال.
وقد يقول قائل: إذا كان المقصود هنا الجهاد في سبيل الله، فلماذا لم يصرح بذلك ويذكر الجملة كاملة؟
وأقول: إن الأصل في النظم القرآني بصفة عامة هو الإيجاز والاختصار، فكل ما جاز حذفه مما لا يخل بالمعنى حذف، ومن يراجع كتاب الإشارة إلى الإيجاز للعز بن عبد السلام يرى ذلك جليًّا واضحًا، وهو من بلاغة القرآن الكريم.
وسأعطي مثالا واضحًا هنا:
قوله تعالى: ﴿‌مُحَمَّدٌ ‌رَسُولُ ‌اللَّهِ ‌وَالَّذِينَ ‌مَعَهُ ‌أَشِدَّاءُ ‌عَلَى ‌الْكُفَّارِ﴾ [الفتح: 29]، لا يخفى هنا حذف صلة الموصول: والتقدير: والذين آمنوا معه. حيث نجدها في مواضع أخرى كثيرة منها: ﴿‌يَوْمَ ‌لَا ‌يُخْزِي ‌اللَّهُ ‌النَّبِيَّ ‌وَالَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌مَعَهُ﴾ [التحريم: 8].
فلا يقول قائل: إن المقصود في آية الفتح غير المقصود في سورة التحريم.
وبالرجوع إلى آية الزكاة في سورة التوبة نجد أنها انقسمت إلى أفراد وأغراض:
فالأفراد هم: الفقراء والمساكين والعاملون عليها والمؤلفة قلوبهم والغارمون وابن السبيل.
والأغراض: العبودية، والجهاد.
أما الأفراد فقد وقع فيهم التحديد لأنهم مادة التمليك في الزكاة، فلا بد أن يتعينوا بأفرادهم.
وأما الأغراض فجاءت بالكناية لأن التمليك لا يقع لهم قصدًا بل لحاجتهم، وفي كلا الغرضين محذوف مقدر.
والتقدير: وفي فكاك العبيد، وفي الجهاد في سبيل الله.
والذي منع من ظهور المحذوف أمور:
طلب الاختصار وجريًا على طريقة ذكر المصارف الأخرى.
احتمال الكناية معنى موسعًا لا يحمله اللفظ الظاهر، فـ(في سبيل الله) يشمل المجاهد ويشمل سلاحه وما يعينه على جهاده، ويشمل المجاهد بالسيف والمجاهد بالكلمة كالخطيب المحفز للجند، وكذلك الوحدات المساعدة كوحدات التمريض والدعم، وعمل الجواسيس والاستطلاع وغيرها مما يحتاجه عمل الجهاد.
رابعًا: لا يحسن حمل كلمة: (وفي سبيل الله) على ظاهرها، وهو كل أعمال البر، هنا في هذا السياق، وذلك لأن حملها على هذا المعنى سيؤدي إلى اختلال النظم، ولو جاءت في أول الكلام أو آخره لربما ساغ ذلك من باب عطف البعض على الكل، أو الكل على البعض.
أما كونها متوسطة بين أفراد، فلا يوجد له شبيه في اللغة فيما أعلم، وذلك أن نعطف كلًّا على بعض ثم نعطف على ذلك الكل بعضًا.
فقوله تعالى: ﴿‌مَنْ ‌كَانَ ‌عَدُوًّا ‌لِلَّهِ ‌وَمَلَائِكَتِهِ ‌وَرُسُلِهِ ‌وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 98]، ساغ لعطف البعض على الكل، ولا يصح: لله ورسله وجبريل وملائكته وميكال.
وقوله تعالى: ﴿‌لَكُمْ ‌فِيهَا ‌دِفْءٌ ‌وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: 5] ساغ لعطف الكل على البعض، ولا يصح: فيها دفء ومنافع ولحم.
والخلاصة:
أن كل الدلالات تدل على تخصيص عموم لفظ (في سبيل الله) بالجهاد، ولا يمتنع أن يدخل في معنى الجهاد الوسائل المساعدة في حرب العدو.
لكن يبعد جدًّا حمل النص على معنى: كل أبواب الخير، لما قدمنا.
المفتي: د خالد نصر