(ف271) توجد مطالبات في ولايتنا والولايات القريبة بأن يصلي الخطباء عقب صلاة الجمعة صلاة الغائب على شهداء غزة وفلسطين، فما رأيكم في ذلك؟ وهل هي فكرة جيدة للمساجد؟

أولا: بالنسبة للحكم الفقهي في مسألة صلاة الغائب، فقد اختلف الفقهاء في جوازها:
فذهب السادة الأحناف والمالكية إلى منعها، وأنها لا تكون لأحد قد صلى بعض المسلمين عليه.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى جوازها، لكل ميت سواء صلى بعض المسلمين عليه أم لم يصلوا، وقيد بعض الحنابلة ذلك بشرط المعاصرة، وذلك أن يكون الميت قد مات في عهدك. واشترط أحمد في رواية أن تقع على أهل الفضل والعلم خاصة.
وذهب الخطابي والروياني وابن تيمية وابن القيم إلى التخصيص بمن مات بأرض ولم يصل عليه أحد.
وسبب الاختلاف حديثان:
الأول: حديث النجاشي وهو عند البخاري وغيره: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: “نَعَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّجَاشِيَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ, خَرَجَ بِهِمْ إلَى الْمُصَلَّى, فَصَفَّ بِهِمْ, وَكَبَّرَ أَرْبَعا”.
ومن المعلوم أن النجاشي توفي سنة تسع من الهجرة النبوية.
الثاني: حديث المرأة التي كانت تقم المسجد النبوي الشريف وهو عند البخاري ومسلم عن أبي هريرة: “أن امرأةً سوداءَ كانتْ تَقُمُّ المسجد -أو شابًّا- ففقَدَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات، قال: «أفلا كنتم آذَنتُموني»، فكأنهم صغَّروا أمرَها، أو أمره، فقال: «دُلُّوني على قبره»، فدَلُّوه، فصلَّى عليها، ثم قال: «إن هذه القبورَ مملوءةٌ ظُلْمةً على أهلها، وإن الله تعالى يُنوِّرُها لهم بصلاتي عليهم»
فاستدل المجيزون بظاهر النصوص السابقة، وأنها دالة بالفعل على الجواز.
وفند المانعون ذلك بأمور منها:
– أن الصلاة على النجاشي كانت حضورًا وأن الله قد أحضر للنبي عليه الصلاة والسلام جسد النجاشي كرامة له.
– أن النجاشي مات في أرض لم يصل عليه فيها أحد لتفرده بالإسلام في أرض الحبشة بعد عودة المهاجرين للحبشة. وأنها من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث المرأة فقد ذهبوا إلى أن المقصود بالصلاة هو الدعاء، والدعاء يعبر عنه بالصلاة ومنه قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ‌وَهُوَ ‌قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: 39]، أي يدعو بالولد.
كما أنهم قالوا: لو أن صلاة الغائب جائزة لاشتهر فعلها عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولصلاها على خبيب بن عدي، وعلى شهداء بئر معونة مع أنه قنت شهرًا.
ثانيًا: مع وجود الخلاف الفقهي في المسألة فيمكن أن تتبع صلاة الجمعة أو الجماعة بصلاة الغائب على شهداء غزة، طلبا للرحمة، وكذلك شحذا لهمة المسلمين الذين يتابعون من بعيد من باب المشاركة الشعورية، ففي الصلاة مصلحة لكلٍّ.
المفتي: د خالد نصر