(ف39) ما حكم تغيير المكان لأداء صلاة السنة بعد صلاة الفريضة؟ فالمرأة أغلب الأحيان مصلاها واحد في المنزل تصلي الفريضة ثم تقوم لتصلي السنة.

أولا: الأصل أن الصلاة جائزة صحيحة في كل بقعة طاهرة من الأرض، ولا توجد بقعة تقبل فيها الصلاة وأخرى لا تقبل إلا لشرط الطهارة، قال صلى الله عليه وسلم: « أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً». متفق عليه. وهذا الذي قلناه عام في كل صلاة.
ثانيا: أحاديث تغيير مكان الصلاة وردت عدة روايات بعضها مرفوع وبعضها موقوف، منها:
– ما رواه أبو دَاوُدَ بسنده عن أبي هُريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ فِي الصَّلَاةِ» (يعني في السُّبْحَةِ) وفي رواية ذكرها البخاري تعليقا عن أبي هُريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَتَطَوَّعُ الْإِمَامُ فِي مَكَانِهِ». وهذه الروايات مدارها على ليث بن أبي سليم وهو ضعيف كما ذكر ذلك جمع من أهل الجرح، منهم البخاري في “التاريخ الكبير” والداراقطني في “العلل” وكذلك فيها عن إبراهيم بن إسماعيل قال عنه الرازي: مجهول. فالروايات بهذا الوصف لا تصح وهو ما صرح به البخاري وغيره.
– ما رواه مسلم عن معاوية رضي الله عنه أنه قال: «إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلاَ تَصِلْهَا بِصَلاَةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَلَّا تُوصَلَ صَلاَةٌ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ». وقد فهم منه بعض العلماء كالنووي نقلا عن الشافعية استحباب التحول عن موضع الفريضة.
– ما رواه أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن شبل، قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ ثَلاَثٍ: عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَعَنِ افْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوطِنَ الرَّجُلُ الْمَقَامَ كَمَا يُوطِنُ الْبَعِيرُ». قال الإمام ابن رجب تعليقا عليه: وفي إسناده اختلاف كثير، وتميم بن محمود، قال البخاري: في حديثه نظر. وهناك روايات أخرى ذكرها الإمام الذهبي في كتابه “المهذب في اختصار السنن الكبير للبيهقي” يمكن أن تراجع ثمة.
ثالثا: آراء أئمة المذاهب في التحول عن موضع الصلاة: وهنا سأنقل نصا لابن رجب الحنبلي من كتابه “فتح الباري شرح صحيح البخاري” يلخص فيه أحوال الإمام والمأموم في هذه المسألة قال رحمه الله: (وقد اختلف العلماء في تطوع الإمام في مكان صلاته بعد الصلاة، فأما قبلها فيجوز بالاتفاق -قاله بعض أصحابنا -يعني بعض الحنابلة- فكرهت طائفةٌ تطوعه في مكانه بعد صلاته، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالكٌ وأحمد وإسحاق. وروي عن علي رضي الله عنه أنه كرهه، وقال النخعي: كانوا يكرهونه. ورخص فيه ابن عقيلٍ من أصحابنا، كما رجحه البخاري، ونقله عن ابن عمر والقاسم بن محمدٍ، فأما المروي عن ابن عمر، فإنه لم يفعله وهو إمامٌ، بل كان مأمومًا، كذلك قال الإمام أحمد.
وأكثر العلماء لا يكرهون للمأموم ذلك، وهو قول مالكٍ وأحمد، وقد خرج أبو داود حديثًا يقتضي كراهته من حديث أبي رمثة، قال: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلاَةِ فَصَلَّى نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالِ أَبِي رِمْثَةَ يَعْنِى نَفْسَهُ فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلاَةِ يَشْفَعُ فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ فَهَزَّهُ ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ فَإِنَّهُ لَمْ يَهْلِكْ أَهْلُ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَوَاتِهِمْ فَصْلٌ. فَرَفَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَصَرَهُ فَقَالَ: أَصَابَ اللهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ». وهذا الحديث يدل على كراهة أن يصلي المكتوبة بالتطوع بعدها من غير فصل، وإن فصل بالتسليم.
رابعا: خلاصة المسألة:
١- لا يسلم حديث من أحاديث هذا الباب مما يرد عليه، فأكثرها تكلم العلماء في سنده وما صح جاز تأويله كالأحاديث الواردة في الفصل، إذ الفصل لا يقتضي الانتقال.
٢- أكثر الأئمة على استحباب الانتقال وذلك لما في ذلك من تعدد مواطن السجود ولئلا تشبه السنة الفريضة ومع ذلك لا يلزم ولا يجب، ومن صلى في مكانه كل الصلوات صحت وقبلت.
٣- من أراد التحول فيكفي فيه القليل فالأخت السائلة يكفيها أن تقدم سجادة الصلاة شبرًا أو تؤخرها شبرًا فيقع التحول إن أرادت، ومع ذلك فالمالكية والحنابلة لا يَرَوْن ذلك كما نقلت عن ابن رجب. هذا والله أعلم.
المفتي: د خالد نصر