أولًا: هناك قيمتان هنا؛ قيمة المساواة، وقيمة العدل.
المساواة تعني أن يأخذ كل فرد نصيبًا مساويًا لغيره بغض النظر عن طبيعة كل واحد، والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه على حسب نوعه وطبيعته، فمثلا إذا كان لديك ولدان طويل وقصير، فبمفهوم المساواة لا بد أن تشتري لكل واحد منهما نفس الثوب بنفس الحجم بنفس الثمن، وبمفهوم العدل لا بد أن تشتري لكل واحد منهما ما يوافق حاله، فالطويل يأخذ ما يناسبه والقصير يأخذ ما يناسبه، أما إن أعطيت الطويل مثل مقاس القصير طلبا للمساواة فقد ظلمت الطويل وألزمته أن يلبس ما لا يناسبه.
وعليه: فكل عدل مساواة في المعنى، وليس كل مساواة عدلًا، والإسلام جاء لإعلاء قيمة العدل؛ قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}[النحل: 90]. وقال تعالى: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[النساء: 58]. ولم يقل أن تحكموا بالسوية، وهذا هو الفرق بين الإسلام والاشتراكية أو الشيوعية، فنحن نطلب العدل وهم يريدون التساوي.
هذه مقدمة مهمة لفهم المسألة.
ثانيًا: لا يخفى على أي عاقل أن الرجل يختلف عن المرأة في أشياء، وهذا مما يتواطأ عليه العقلاء؛ فالرجل وإن كان سببا في الإنجاب إلا أن المرأة هي التي تتحمل ذلك، والمرأة تحيض وتنفس، والرجل لا يقع له ذلك، فالرجل في الأعم الأغلب له بنية جسدية عمادها القوة والصلابة، على حين أن المرأة في الأعم الأغلب لها بنية عمادها الليونة، ولا يمنع أن يكون هناك شذوذ عن هذه القاعدة، ولكن هذا يؤكد الأصل ولا ينفيه. وبناء على ذلك فقد تنوعت وظائف الرجل والمرأة تبعا لتنوع الخلقة والطبائع، فارتبط الرجل بمعاني الكسب والكد والقيام على الآخرين، وارتبطت المرأة بمعاني الرعاية والعناية، ولما كان ذلك كذلك جاءت الشرائع وحددت الواجبات والحقوق على حسب ذلك، وجعلت لكل واحد حقًّا وواجبًا.
ثالثًا: قيمة الرجل والمرأة في الإسلام: أما من جهة التكليف الشرعي ، فالرجل والمرأة مكلفان ويحملان نفس الأمانة؛ قال تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ}[الأحزاب: 72]، فالإنسان هنا هو المخلوق المكلف المطلق ذكرًا كان أو أنثى، ونرى ذلك جليًّا في خطاب الله لآدم وحواء معا بصيغة المثنى تكليفًا لهما: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}[البقرة: 35]، فضمير المثنى يعكس الاشتراك، وهذا نراه أيضا في العبادات، فكلاهما يتوجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات، وكلاهما منهي عن الكبائر والصغائر والآثام، وهذا أيضًا أصل عام.
رابعًا: مفهوم نقصان المرأة في الشريعة: لقد وردت بعض الروايات التي تدل على أن المرأة لا تساوي الرجل أو أن المرأة بهذا الاعتبار بها نقصان في العقل وفي الدين، روى مسلم في صحيحه بسنده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ(أي تامة الخلق، ويجوز أن تكون ذات كلام جزل، أي: قوي شديد): وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِى لُبٍّ مِنْكُنَّ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: «أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِىَ مَا تُصَلِّى وَتُفْطِرُ فِى رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ». وقد استغل كثير من الناس هذا الحديث للتشنيع على الإسلام، وأنه ينقص من حقوق المرأة، وأنا أقول: النقصان نوعان: نقصان تشريف، ونقصان تكليف، أما الأول فغير مقصود، والحديث لا يدل عليه بل يعارضه نصوص أخرى كثيرة رفعت من شأن المرأة؛ منها ما ورد في مريم وامرأة فرعون وملكة سبأ وخديجة وباقي أمهات المؤمنين، ومنها ما ورد في الأمهات وأنهن أحق الناس بحسن الصحبة، ومنها ما ورد بالوصية بالنساء عمومًا والرفق بهن، وهذا كله تشريف ورفعة، وأما نقصان التكليف فلا يحط من القيمة وقد وقع للنساء والرجال على السواء، ومن ذلك:
– عدم صلاة المرأة أو صومها وهي حائض، وهذا من باب التخفيف عنها مراعاة لحالها ومزاجها وتسهيلا عليها في أمر الطهارة، وهذا يقع للرجال أيضا فيرفع الصوم عن الشيخ الكبير، وعن المسافر، وإن كان رجلا، والمريض وإن كان كذلك، وكذلك أصحاب الأعمال الشاقة كالخباز وعليهم القضاء من وقت لاحق، فهل إذا أفطر المسافر عذرا صار أقل قيمة من المقيم الصائم؟! وهل إذا قصر الصلاةَ مسافرٌ صار أقل قيمة ممن أتم مقيمًا؟! لا يقول بهذا أحد، فكلاهما يأخذ من نفس الشرع، فمن صلى أربعا فصلاته تامة، ومن صلى اثنتين مسافرًا فصلاته تامة، والفرق فقط في نوعية التكليف مراعاة للحال.
إذن فلنفهم هذا الفرق بين نوعي النقصان.
خامسًا: أثر فرق التكليف على الرجل والمرأة: لقد ترتب على اختلاف التكليف الشرعي بين الرجل والمرأة عدة نتائج منها القوامة: قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 37]. فالرجل جعل له الشرع سلطة مشروطة.
أولًا: لأن الله أناط به هذا الواجب “كلمة (فَضَّلَ) لا تدل في كل الأحوال على سبقٍ للفاضل وإن كان هذا هو الكثير في الاستعمال، ولكن أيضًا قد تحمل معنى ميّز أي جعله مميزًا بهذا”
وثانيًا: لأنه أوجب عليه النفقة، ومن وجب عليه شيء اتخذ الأسباب لحصول الواجب، واحتاط له بما ينقضه، فكيف يتوجب على الرجل الكفالة والنفقة دون أن يكون له حق التوجيه والأمر؟! وعلى هذا نقول: إن القوامة مترتبة على الواجب وعلى تقسيم الوظائف، وليس فيها غض من حق المرأة إذ إنها هي المكفولة في هذه القسمة، وهذا يشبه العمل في شركة؛ فالشركة تدفع للموظفين وفي المقابل هي من تحدد قواعد العمل وساعاته ومنهجه، ومن أراد أن يحصل على المنفعة خضع للقواعد، فالشركة لها قوامة على من فيها بما أنفقت وإن حصلت منفعة.
ثاني الأمور التي ترتبت على اختلاف الجنسين في التكليف هي مسألة الميراث، ويحلو للكثير أن يطنطن بهذه القضية نقضًا للإسلام ونقضًا للشريعة التي تفرق بين الناس، وأنا أقول:
١- إن الشريعة الإسلامية متكاملة وليست قطعًا متفرقة، ومعنى ذلك أن صاحب الواجبات لا بد أن يكون له حقوق، فالشريعة رفعت عن المرأة إصر كفالة غيرها وجوبا، بل على العكس فالمرأة مكفولة دائما؛ ففي بيت أبيها نفقتها عليه، وفي بيت زوجها نفقتها عليه، وعند الزواج تستحق المهر الذي لا حد له، وفي حالة الطلاق لها نفقتا العدة والمتعة ثم تعود لكفالة أهلها، وعند وفاة الزوج لها الميراث خالصًا مع كونها تعود لكفالة أهلها، هذه هي المنظومة.
أما الرجل فهو الكافل؛ هو الكافل أبًا، وهو الكافل زوجًا، وهو الكافل أخًا في حال غياب الأب، وإن قصر في هذا أَثِمَ. والعدل يقتضي أن من توجب عليه واجب زائد أعطي أسبابا تساعده على أداء هذا الواجب، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة: 286]. وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}[الطلاق: 7]. وعليه فقد نصت الشريعة على أن الرجل في حالات يأخذ نصيبا أكثر من المرأة كي يستطيع أن يقوم بما توجب عليه.
٢- إن مسألة زيادة الرجل على المرأة في الميراث ليست مطلقة في كل الحالات، فهناك أحوال تزيد فيها المرأة على نصيب الرجل ومنها:
– البنت الوحيدة تأخذ النصف وباقي الورثة يشتركون في النصف وإن كان فيهم ذكور؛ فمثلا رجل مات عن بنت وزوجة وأب وأم، فالبنت لها النصف، والزوجة الثمن، والأم السدس، والأب يأخذ الباقي تعصيبًا، فإذا نظرنا إلى نصيب الأب -وهو ذكر- نجده أقل من نصيب البنت وهي أنثى.
– وكذلك البنتان معا تأخذان الثلثين وهو أكبر من أي نصيب؛ فمثلا مات رجل عن بنتين وزوجة وأخ ذكر، فنجد أن البنتين معا تأخذان الثلثين، والزوجة الثمن، والأخ الذكر يأخذ ما تبقى تعصيبًا، وهو أقل من نصيب البنات بكثير.
هذه فقط بعض الأمثلة، ومنها الكثير، حتى إننا نجد أحيانًا أن بعض الذكور لا ينال شيئا على حين أن الإناث يأخذن أكثر التركة كحال الإخوة في وجود الأب والأم؛ فالأم تأخذ ثلث التركة على حين أن الإخوة محجوبون بالأب تمامًا لا يأخذون شيئًا.
وعليه فالنظام الذي يحكم الميراث في الإسلام هو العدل لا المساواة إذ المساواة هنا ظلم لمن توجبت عليه النفقة.
٣- إن الأنظمة الموجودة في الغرب الذي يصدعنا بكلامه عن المساواة لا نجد فيها عدالة؛ فإذا مات الزوج حازت زوجته أملاكه على اعتبار أن المال يسمى (مال الزوجية)، ولعلها تتزوج بآخر تنفق عليه هذا المال، ويضيع حق الأيتام إذ هي القيمة، ولعل له أبا أو أما من العجزة فلا يحصلون على شيء بعد رعايتهم له سنين، فهل هذه هي العدالة أو حتى المساواة بين أهل الحاجة، ما لهم كيف يحكمون؟!
ثالثًا: مسألة التفريق في الشهادة: يُزْعَمُ أن الإسلام قلل من شأن المرأة في مسألة الشهادة إذ جعل القرآن شهادة الرجل بشهادة امرأتين، قال الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}[البقرة: 282]. ومنع شهادة المرأة في باب الحدود باتفاق أئمة المذاهب الأربعة.
وأنا أقول: الشهادة نوعان: شهادة تحمُّل وشهادة أداء؛ فأما شهادة التحمل فهي أن يكون إنسان في موقف يُدعى فيه ليشهد ويعي ويحفظ ما يقع، وذلك كعقود الزواج والبيوع والإجارة والمعاواضات وغيرها، وأما شهادة الأداء فهي أن يُستدعى إنسان ليشهد ويتلو ما رأى أو سمع، وذلك في مجلس الشهادة بشروطه، ولكلا النوعين شروط يستوي فيها الرجال والنساء، كالعقل والبلوغ والعلم والمعاينة، ومنها ما له شروط خاصة. هذه مقدمة مبسطة.
أما القسم الأول من الشهادة فهذا يؤخذ به في شهادة الرجل والمرأة معًا، فالمرأة روت القرآن بالسند والحديث بالسند ونقلت العلوم، ولها أن تشهد على العقود بأنواعها كما هو مذهب الأحناف وغيرهم.
وأما القسم الثاني فلها كذلك أن تشهد وتؤدي ذلك ولم يستثن الأحناف من ذلك إلا باب الحدود، والاستثناء هنا ليس تقليلا من شأن المرأة، ولكن مراعاة لحالها من خلال منظومة الشريعة المتكاملة؛ فالمرأة في الأصل فيها الستر والخدر وعدم المزاحمة، والمرأة كما يراد لها رفع الحرج عنها. ولزيادة التفصيل في أنواع الوقائع أقول: إن أحوال المرأة في الشهادة تختلف باختلاف الواقعة:
النوع الأول: شهادة النساء في الأمور التي لا يراها الرجال مما هو من اختصاص النساء: وقد اتفقت كل المذاهب الأربعة على قبول شهادة النساء في هذه الأمور، وقد حكى الاتفاق على هذه المسألة الإمام الشافعي رحمه الله وغيره، ومن هذه الأمور التي لا يراها إلا النساء : الرضاعة والعيوب المستورة والولادة والحيض.
النوع الثاني: شهادة النساء في الأموال: اتفق الجميع على قبول شهادة النساء في الأموال، ولا بد فيها من شهادة امرأتين، وإن اختلفوا هل تقبل شهادتهن بالانفراد أم يشترط وجود الرجل؟ فالمالكية قالوا بجواز الانفراد مع يمين الطالب، وهو وجه معتبر.
النوع الثالث: شهادة النساء في الحدود والقصاص:
اتفقت المذاهب الأربعة على عدم قبول شهادة النساء في الحدود والقصاص، ومع ذلك فقد أجاز شهادة النساء في هذا الباب بعض العلماء، وهو قول عطاء وحماد ، ووافقهم سفيان في أحد قوليه في القصاص دون الحدود، وروي عن طاووس واختاره ابن حزم والشوكاني.
النوع الرابع: شهادة النساء فيما عدا الأموال، والحدود والقصاص وما لا يطلع عليه غيرهن مثل النسب والنكاح والطلاق والعتاق والولاء، وهذا اختلف فيه الأئمة، ومع أن الجمهور على المنع إلا أن مذهب السادة الأحناف يجيز ذلك، وهو الأوجه والأرجح؛ فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن هند بنت طلق قالت: كنت في نسوة وصبي مسجى بثوب فقامت امرأة فمرت فوطئت الصبي برجلها فوقعت على الصبي، قالت أم الصبي: قتلته والله. فشهد عند علي رضي الله عنه عشر نسوة –أنا عاشرتهن– فقضى عليها بالدية وأعانها بألفين.
وعن عطاء رحمه الله قال: أجاز عمر رضي الله عنه شهادة النساء مع الرجال في الطلاق والنكاح.
فإذا تأملنا ما سبق نجد أن الأصل في شهادة المرأة أمران:
الأول: رفع الحرج عنها، والثاني: احتمال الخطأ أو تجنب وقوع التأثير. فالمرأة في الشريعة الإسلامية مكفولة ولعل الكافل -زوجًا كان أو أبا أو أخا أو عمًّا- أن يؤثر عليها في اتجاه معين، فجاء الإسلام ليرفع عنها هذا؛ قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج: 78]. وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة: 185].
وأخيرًا أقول: إن الإسلام أيضا جعل ضوابط للشهادة تقع على الرجال أيضا، ولا يقال إنها تقلل من قيمة الرجل، ومن ذلك شهادة الرجل إذا جرّت إلى نفسه نفعًا، أو دفعت ضُرًّا، فلا تُقبل شهادة الوارث لمُوَرِّثه في مسائل ولا الضامن للمضمون عنه بالأداء، ولا الإبراء، وذهَب جمهور الفقهاء إلى أنه لا تُقبَل شهادة أحد الزوجين للآخر خلافًا للشافعي، كما لا تُقبل شهادة أصلٍ لفرعه، ولا فرعٍ لأصله؛ أي: لا تُقبل شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا تُقبل شهادة عدوٍّ على عدوِّه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود -: « لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» الغِمر: الحِقد والعداوة. فكل هذه الأمور تمنع من الشهادة ولا يصح أن يقال إنها تمنع من المساواة، بل تراعي الحال، والقاعدة أن كل ما دخله الاحتمال والشك رفع الاستدلال به، وهذا يعم الرجال والنساء معًا.
بقي مسألة تعدد النساء للشهادة :
أقول: إن فكرة التعدد قائمة في حالتي الرجل والمرأة؛ فالرجال كذلك لا يحكم بشهادة المنفرد منهم في كثير من الأمور بل يطلب لها اثنان، وفي الزنى والقذف يطلب أربعة، وهذا لا ينقص من قدر الرجل، أما المرأة فيطلب التعدد لعِلَلٍ؛ منها :
– مظنة الخطأ والنسيان. – مظنة الوقوع تحت تأثير الرجال. – تقوية لقلب المرأة حين ترى واحدة أو أكثر من بني جنسها تشهد معها، وهذا كله فيه صيانة للمرأة وصيانة للحقوق. وهذا ما من الله به في شأن شهادة النساء.
رابعًا: التفريق بين الرجل والمرأة في أحكام اللباس: هذا أيضا مما يثيره أصحاب هذه الدعوى:
١ – إذا نظرنا إلى لباس الرجل والمرأة في كل العهود وكل العصور حتى العصور البدائية منها، بل وفي كل المجتمعات المتحضرة، والتي هي أقل تحضرًا نلاحظ تباينًا واختلافًا بين لباس الرجل والمرأة، وهذا يدلل على أن الأمر مرده إلى طبيعة كل منهما؛ فالذي يتوجب ستره من الرجل عرفًا تستره المرأة وتزيد عليه، فكان الرجل في عهد البداوة يستر عورته المغلظة على حين أن المرأة تستر هذا وتزيد عليه ستر صدرها، وأنا أذكر هذا لأؤكد مسألة التمايز، وأنها أمر إنساني بالأساس، وجاءت الأديان فهذبته ووضعت له قواعد.
٢- للحكم على الشريعة في هذا الباب لا بد من فهم فلسفة الإسلام ونظرته للمرأة؛ فالمرأة في الشريعة هي ليست المخلوق المجرد، وإنما هي الأم، وهي الأخت، وهي الزوجة، وهي الابنة، وهذا يأخذنا إلى الأصل الذي راعته الشريعة في حال هؤلاء ألا وهو الستر، فلا أحد يريد كشف واحدة من هؤلاء، والمرأة لا تخرج أن تكون واحدة من هؤلاء، فكل مسلم يريد أمه مستورة مصونة وإن كان هو مفرطًا، وكذلك أخته وباقي الأصناف، فجاءت الشريعة وتوافقت مع هذا المرغوب، وجعلت الأصل في المرأة الستر الذي استتبع أمورًا منها تقييد اللباس بما يتوافق مع هذا الأصل.
٣- إن الإسلام أيضًا حدد أيضا لباس الرجل ومنعه من بعض أنواع اللباس كلباس الشهرة ولباس النساء ولباس النسك الخاص بديانة أخرى، ليس هذا فقط بل منعه من لباس رقيق يصف العورة، وحرم عليه الحرير الطبيعي.
وعليه: فدعوى أن المرأة لا تتساوى مع الرجل في اللباس دعوى تغفل الطبيعة والغاية عند كل منهما، ولنضرب لذلك مثالًا؛ منع الرجل من إطالة الثوب بقصد الخيلاء، وجاز ذلك للمرأة لأنه أستر لها، فهل يقول قائل: إن طول الثوب أو قصره عند أحدهما ميزة لواحد وظلم للآخر؟!
٤- الحق أن حتى هؤلاء الذين يقولون: إن الإسلام لا يساوي بين الجنسين في اللباس. هم كذلك لا يتسامحون فيه؛ فما يقول هؤلاء وماذا يصفون رجلا لبس فستانًا أو قطعة مما تختص به النساء؟! في الأعم الأغلب سينسبونه إلى الجنس الثالث، وما ذاك إلا لاستقرار الناس وتواطئهم على أن للرجل لباسًا وللمرأة لباسًا، وهذا عينه ما يقول به الإسلام.
ولعل بعض المسلمين زاد بتشدده في إنماء هذا الفهم؛ فالأخوات الفاضلات اللاتي يلبسن النقاب، وهن مع ذلك يبرزن في كل محفل ووظيفة، أعطين انطباعًا أن هذا هو لباس المسلمة دون غيره، لباس عادة يكون من السواد يغطي كل موضع عدا العينين، وهذا وإن كان رأيًا مرجوحًا عندنا إلا أن الحكم على خلافه، لكن أعود وأقول: إن كثيرا من المجتمعات العلمانية تضع ضوابط للباس الرجل ولباس المرأة، بل إن بعض المؤسسات والجيوش تفعل ذلك ولا يقول أحد إنها ليس عندها مساواة قياسًا بباقي المجتمع.
٥- إن المرأة في الإسلام جوهرة مصونة ودرة مكنونة، والشيء الذي هذا صفته نبالغ في ستره عن الأعين، نستوي نحن وغيرنا في ذلك، وليست نساؤنا ممن يعرضن في الأكشاك والبترينات سلعة تتداولها الأيدي، تتعرى لهم وهم يشاهدون.
٦- إن لباس المرأة تميز عن لباس الرجل أيضًا سدًّا لذريعة الفتنة إذا تخففت المرأة وكشفت عن مفاتنها، وفي هذا صيانة للجميع وحماية للمرأة من غائلة التعدي عليها، ونحن نسمع ونرى ظاهرة التحرش بالنساء، وهي إن دلت فإنما تدل على نظرة كل جنس للآخر، فالمرأة على العموم مطلوبة مرغوبة، والإسلام من مبادئه الوقائية مبدأ سد الذرائع، ودليل ذلك أن للمرأة أن تلبس في بيتها ما شاءت، وكذلك فإن عورتها وما يجب ستره تختلف باختلاف الناظر محرمًا أم غير محرم، فلا يطلب من المرأة أن تكون على هذه الهيئة دائمًا. هذا ما يخص مسألة اللباس.
خامسًا: دعوى التفريق بين الرجل والمرأة في بعض الأمور العامة، ومنها حرية السفر والبروز للعمل والولاية على الرجال. أما حرية السفر فالإسلام لم يمنع المرأة من السفر، وإنما جعل له ضوابط منها الإذن فيه من وليها أو من زوجها، وإن لم يكن لها جاز من غير إذن، وهذا أيضًا صيانة لها ومراعاة لحال الزوجية واحتياجاتها، وترتيبًا للواجبات المستحقة بعقد الزواج في حال الزوجية أو بالكفالة في حالة الولي؛ فالموظف المكفول من عمله لا يسافر بغير إذن الكفيل، ويحكمهما قانون يجبر المكفول بإعلام الكفيل، ولا يقول أحد أن هذا ضد المساواة، ومع ذلك إذا سافرت المرأة فقد حث الإسلام على وجود المحرم ليدفع عنها ويقوم على حاجتها ويشعرها بالمؤانسة، ولها أن تسافر مع الصحبة المأمونة، وإن لم يكن ثمة محرم على رأي الشافعية وغيرهم.
وعليه ففلسفة الشريعة هنا قائمة على الصيانة والحماية ودرء الشبهة، أما الرجل عادة فلا يحتاج إلى ذلك، فأعطي كل واحد قدر حاجته وطاقته، وهذا حكم على الأعم، ولا يرد عليه ما شذ من حالات. وبالجملة نقول: إن الإسلام أعطى للرجل والمرأة حق السفر، وجعل للمرأة ضوابط تحكم مسألة السفر تتناسب مع طبيعتها وما أرادته الشريعة منها ولها، وهذا الذي قلناه في السفر يقال في العمل؛ إذ المرأة مأذونة فيه بشروط.
أما مسألة الولاية فهذه أيضًا من القضايا التي يطنطن بها دعاة المساواة، والحق أنهم لا يفهمون من الولاية إلا أمرًا واحدًا وهو الولاية العامة، فهل المرأة ممنوعة من الولاية؟ وللإجابة على هذا نعرف الولاية: فالولاية في الاصطلاح: سلطة شرعية تمكن صاحبها من التصرف الصحيح النافذ لنفسه، أو لغيره، جبرًا أو اختيارًا، والولاية ليست نوعًا واحدًا كما يصورها هؤلاء بل لها اعتبارات متعددة:
١- باعتبار الولي: تنقسم إلى قاصرة وهي التي يتولى فيها الولي أمر نفسه مستقلًّا، وولاية متعدية، وهي التي تمكنه من التصرف الصحيح النافذ في حق غيره.
٢- باعتبار المجال: تنقسم إلى عامة وذلك أن يكون لصاحبها التصرف الصحيح النافذ في شأن من شئون المجتمع العامة، وخاصة وهي التي يكون لصاحبها حق التصرف في أمر خاص، وذلك كالأب مع الأولاد.
٣- باعتبار المصدر: وتنقسم إلى ذاتية وهي التي يستمد صاحبها الحق ابتداء من شخصه لا من غيره، ومكتسبة وهي التي يأخذ فيها الصلاحية من التخويل من غيره.
٤- باعتبار مادتها: ولاية على النفس كالحضانة، وولاية على المال كالوكالة.
وإذا نظرنا إلى كثير من هذه الأقسام نجد أن الرجل يشترك فيها مع المرأة، ولا يستثنى من هذا إلا الولاية العامة أو العظمى كما يقول الفقهاء وما يقوم مقامها، وهذا الاستثناء ليس من قبيل التمييز بقدر ما هو مراعاة لحال الرجال والنساء، فاجتماع الناس معا في حيّز لا يحكمه النظر فقط بل يحكمه أيضًا إمكان التطبيق وسهولته مع عدم ترتب مفسدة. والناظر إلى واقع الناس مسلمهم وكافرهم يجد أن هذه سنة الناس منذ القدم، بل إن أكثر البلاد تحضرًا -كما تدعي- لا نجد المرأة تمكن عمليًّا إلا من الولايات التي أجازها لها الإسلام؛ فأمريكا مثلا لا يوجد رئيس واحد من النساء، وعدد النساء كان قليلا جدًّا في أكبر محكمة فيها، وما زال لا يساوي عدد الرجال، كما أن أكثر أعضاء الجهاز التنفيذي من الرجال، وهذا حال قيادات الجيوش وأجهزة الدولة الفاعلة، على حين أننا نجد حضورًا كبيرًا للمرأة في مجال التدريس ورعاية الأطفال والتمريض والأعمال الإدارية والبرامج الترفيهية؛ فهل اختلف التطبيق بين دعاة المساواة ودعاة الشريعة؟
الجواب: لا نختلف إلا في أننا نتسق مع المبدأ وهم يسوقون المبدأ دون تفعيل.
وأخيرًا: بعد هذا العرض لأهم ما يورده من يتهم الإسلام والشريعة بالتجاوز في هذا الباب أقول:
١- إن الإسلام من مبادئه العامة العدل بين الخلق والشريعة كلها عدل وكلها حكمة وكلها مصلحة.
٢ – إن هناك فرقًا بين العدل والتسوية؛ فالأول يعطي كلًّا على حسب حاله، والثاني يعطي كلًّا مقدارًا مساويًا، وقد أثبتنا أن التسوية ليست عدلا في كل الأحوال.
٣- إن هناك مفارقة عند أصحاب هذه الدعاوى بين النظرية والتطبيق؛ فعلى حين ينعقون بالمساواة نجد أن تصرفاتهم في الأمور المختلفة لا تدل على ذلك، وإنما تنطوي في معناها على التمييز.
٤- إن الحكم على الشريعة لا يكون من خلال اجتزاء مسألة واحدة والحكم عليها؛ فالشريعة كل متكامل، بمعنى أن نقصان حق المرأة في جانب يكمله زيادة حقها في جانب آخر، أو يكون مسبَّبًا ومعلولًا بحال أو بوقت.
٥- إن كثيرًا من مسائل التمييز التي ادّعاها هؤلاء قابلة التفنيد وقد بينا ذلك في مسائل المواريث والولاية وغيرها.
٦- إن الأحاديث الواردة في حق الزوج على زوجته لا تعني الحط من قدر المرأة، بل تعني ترتيب الحقوق؛ فحديث أحق الناس بحسن الصحبة لا يفهم منه نقصان الرجل عن المرأة حين ذكر مرة واحدة وذكرت هي ثلاث، بل هو مراعاة لحالة الأمومة، فاختلاف الأحوال يؤدي إلى اختلاف الحقوق للشخص الواحد؛ فالمرأة لها حقوق على أهلها وعلى أولادها، وعليها حقوق لزوجها، وهكذا.
٧- إن الإسلام فرق بين الرجل والمرأة في الوظائف وترتب على هذا التفريق اختلاف الأحكام الذي أدى أحيانا إلى اختلاف في التكليف والتشريف؛ قال تعالى: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى }[آل عمران: 36]. فالأنبياء والرسل في كل العصور من الرجال، والأئمة من الرجال، والخلفاء من الرجال، ومعظم القضاة من الرجال، وهذا لا ننكره، ولا يجب أن ننكره إرضاء لأصحاب دعوى المساواة، وقد بينا علله فيما سبق.
٨- يلزم الداعية والخطيب أن يوازن بين الأمور فيعطي كل ذي حق حقه، فلا يركّز على فئة بعينها مدحًا أو تمييزًا، بل يأتي بما أتت به الشريعة متوازنًا فيذكر ما للرجل وما عليه وكذا مع المرأة. هذا والله الموفق.
المفتي: د خالد نصر
المساواة تعني أن يأخذ كل فرد نصيبًا مساويًا لغيره بغض النظر عن طبيعة كل واحد، والعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه على حسب نوعه وطبيعته، فمثلا إذا كان لديك ولدان طويل وقصير، فبمفهوم المساواة لا بد أن تشتري لكل واحد منهما نفس الثوب بنفس الحجم بنفس الثمن، وبمفهوم العدل لا بد أن تشتري لكل واحد منهما ما يوافق حاله، فالطويل يأخذ ما يناسبه والقصير يأخذ ما يناسبه، أما إن أعطيت الطويل مثل مقاس القصير طلبا للمساواة فقد ظلمت الطويل وألزمته أن يلبس ما لا يناسبه.
وعليه: فكل عدل مساواة في المعنى، وليس كل مساواة عدلًا، والإسلام جاء لإعلاء قيمة العدل؛ قال تعالى: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}[النحل: 90]. وقال تعالى: { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}[النساء: 58]. ولم يقل أن تحكموا بالسوية، وهذا هو الفرق بين الإسلام والاشتراكية أو الشيوعية، فنحن نطلب العدل وهم يريدون التساوي.
هذه مقدمة مهمة لفهم المسألة.
ثانيًا: لا يخفى على أي عاقل أن الرجل يختلف عن المرأة في أشياء، وهذا مما يتواطأ عليه العقلاء؛ فالرجل وإن كان سببا في الإنجاب إلا أن المرأة هي التي تتحمل ذلك، والمرأة تحيض وتنفس، والرجل لا يقع له ذلك، فالرجل في الأعم الأغلب له بنية جسدية عمادها القوة والصلابة، على حين أن المرأة في الأعم الأغلب لها بنية عمادها الليونة، ولا يمنع أن يكون هناك شذوذ عن هذه القاعدة، ولكن هذا يؤكد الأصل ولا ينفيه. وبناء على ذلك فقد تنوعت وظائف الرجل والمرأة تبعا لتنوع الخلقة والطبائع، فارتبط الرجل بمعاني الكسب والكد والقيام على الآخرين، وارتبطت المرأة بمعاني الرعاية والعناية، ولما كان ذلك كذلك جاءت الشرائع وحددت الواجبات والحقوق على حسب ذلك، وجعلت لكل واحد حقًّا وواجبًا.
ثالثًا: قيمة الرجل والمرأة في الإسلام: أما من جهة التكليف الشرعي ، فالرجل والمرأة مكلفان ويحملان نفس الأمانة؛ قال تعالى: { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ}[الأحزاب: 72]، فالإنسان هنا هو المخلوق المكلف المطلق ذكرًا كان أو أنثى، ونرى ذلك جليًّا في خطاب الله لآدم وحواء معا بصيغة المثنى تكليفًا لهما: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}[البقرة: 35]، فضمير المثنى يعكس الاشتراك، وهذا نراه أيضا في العبادات، فكلاهما يتوجب عليه الصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الواجبات، وكلاهما منهي عن الكبائر والصغائر والآثام، وهذا أيضًا أصل عام.
رابعًا: مفهوم نقصان المرأة في الشريعة: لقد وردت بعض الروايات التي تدل على أن المرأة لا تساوي الرجل أو أن المرأة بهذا الاعتبار بها نقصان في العقل وفي الدين، روى مسلم في صحيحه بسنده عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ جَزْلَةٌ(أي تامة الخلق، ويجوز أن تكون ذات كلام جزل، أي: قوي شديد): وَمَا لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ: تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِى لُبٍّ مِنْكُنَّ» قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ قَالَ: «أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ، فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ، وَتَمْكُثُ اللَّيَالِىَ مَا تُصَلِّى وَتُفْطِرُ فِى رَمَضَانَ، فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ». وقد استغل كثير من الناس هذا الحديث للتشنيع على الإسلام، وأنه ينقص من حقوق المرأة، وأنا أقول: النقصان نوعان: نقصان تشريف، ونقصان تكليف، أما الأول فغير مقصود، والحديث لا يدل عليه بل يعارضه نصوص أخرى كثيرة رفعت من شأن المرأة؛ منها ما ورد في مريم وامرأة فرعون وملكة سبأ وخديجة وباقي أمهات المؤمنين، ومنها ما ورد في الأمهات وأنهن أحق الناس بحسن الصحبة، ومنها ما ورد بالوصية بالنساء عمومًا والرفق بهن، وهذا كله تشريف ورفعة، وأما نقصان التكليف فلا يحط من القيمة وقد وقع للنساء والرجال على السواء، ومن ذلك:
– عدم صلاة المرأة أو صومها وهي حائض، وهذا من باب التخفيف عنها مراعاة لحالها ومزاجها وتسهيلا عليها في أمر الطهارة، وهذا يقع للرجال أيضا فيرفع الصوم عن الشيخ الكبير، وعن المسافر، وإن كان رجلا، والمريض وإن كان كذلك، وكذلك أصحاب الأعمال الشاقة كالخباز وعليهم القضاء من وقت لاحق، فهل إذا أفطر المسافر عذرا صار أقل قيمة من المقيم الصائم؟! وهل إذا قصر الصلاةَ مسافرٌ صار أقل قيمة ممن أتم مقيمًا؟! لا يقول بهذا أحد، فكلاهما يأخذ من نفس الشرع، فمن صلى أربعا فصلاته تامة، ومن صلى اثنتين مسافرًا فصلاته تامة، والفرق فقط في نوعية التكليف مراعاة للحال.
إذن فلنفهم هذا الفرق بين نوعي النقصان.
خامسًا: أثر فرق التكليف على الرجل والمرأة: لقد ترتب على اختلاف التكليف الشرعي بين الرجل والمرأة عدة نتائج منها القوامة: قال الله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 37]. فالرجل جعل له الشرع سلطة مشروطة.
أولًا: لأن الله أناط به هذا الواجب “كلمة (فَضَّلَ) لا تدل في كل الأحوال على سبقٍ للفاضل وإن كان هذا هو الكثير في الاستعمال، ولكن أيضًا قد تحمل معنى ميّز أي جعله مميزًا بهذا”
وثانيًا: لأنه أوجب عليه النفقة، ومن وجب عليه شيء اتخذ الأسباب لحصول الواجب، واحتاط له بما ينقضه، فكيف يتوجب على الرجل الكفالة والنفقة دون أن يكون له حق التوجيه والأمر؟! وعلى هذا نقول: إن القوامة مترتبة على الواجب وعلى تقسيم الوظائف، وليس فيها غض من حق المرأة إذ إنها هي المكفولة في هذه القسمة، وهذا يشبه العمل في شركة؛ فالشركة تدفع للموظفين وفي المقابل هي من تحدد قواعد العمل وساعاته ومنهجه، ومن أراد أن يحصل على المنفعة خضع للقواعد، فالشركة لها قوامة على من فيها بما أنفقت وإن حصلت منفعة.
ثاني الأمور التي ترتبت على اختلاف الجنسين في التكليف هي مسألة الميراث، ويحلو للكثير أن يطنطن بهذه القضية نقضًا للإسلام ونقضًا للشريعة التي تفرق بين الناس، وأنا أقول:
١- إن الشريعة الإسلامية متكاملة وليست قطعًا متفرقة، ومعنى ذلك أن صاحب الواجبات لا بد أن يكون له حقوق، فالشريعة رفعت عن المرأة إصر كفالة غيرها وجوبا، بل على العكس فالمرأة مكفولة دائما؛ ففي بيت أبيها نفقتها عليه، وفي بيت زوجها نفقتها عليه، وعند الزواج تستحق المهر الذي لا حد له، وفي حالة الطلاق لها نفقتا العدة والمتعة ثم تعود لكفالة أهلها، وعند وفاة الزوج لها الميراث خالصًا مع كونها تعود لكفالة أهلها، هذه هي المنظومة.
أما الرجل فهو الكافل؛ هو الكافل أبًا، وهو الكافل زوجًا، وهو الكافل أخًا في حال غياب الأب، وإن قصر في هذا أَثِمَ. والعدل يقتضي أن من توجب عليه واجب زائد أعطي أسبابا تساعده على أداء هذا الواجب، قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}[البقرة: 286]. وقال: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا}[الطلاق: 7]. وعليه فقد نصت الشريعة على أن الرجل في حالات يأخذ نصيبا أكثر من المرأة كي يستطيع أن يقوم بما توجب عليه.
٢- إن مسألة زيادة الرجل على المرأة في الميراث ليست مطلقة في كل الحالات، فهناك أحوال تزيد فيها المرأة على نصيب الرجل ومنها:
– البنت الوحيدة تأخذ النصف وباقي الورثة يشتركون في النصف وإن كان فيهم ذكور؛ فمثلا رجل مات عن بنت وزوجة وأب وأم، فالبنت لها النصف، والزوجة الثمن، والأم السدس، والأب يأخذ الباقي تعصيبًا، فإذا نظرنا إلى نصيب الأب -وهو ذكر- نجده أقل من نصيب البنت وهي أنثى.
– وكذلك البنتان معا تأخذان الثلثين وهو أكبر من أي نصيب؛ فمثلا مات رجل عن بنتين وزوجة وأخ ذكر، فنجد أن البنتين معا تأخذان الثلثين، والزوجة الثمن، والأخ الذكر يأخذ ما تبقى تعصيبًا، وهو أقل من نصيب البنات بكثير.
هذه فقط بعض الأمثلة، ومنها الكثير، حتى إننا نجد أحيانًا أن بعض الذكور لا ينال شيئا على حين أن الإناث يأخذن أكثر التركة كحال الإخوة في وجود الأب والأم؛ فالأم تأخذ ثلث التركة على حين أن الإخوة محجوبون بالأب تمامًا لا يأخذون شيئًا.
وعليه فالنظام الذي يحكم الميراث في الإسلام هو العدل لا المساواة إذ المساواة هنا ظلم لمن توجبت عليه النفقة.
٣- إن الأنظمة الموجودة في الغرب الذي يصدعنا بكلامه عن المساواة لا نجد فيها عدالة؛ فإذا مات الزوج حازت زوجته أملاكه على اعتبار أن المال يسمى (مال الزوجية)، ولعلها تتزوج بآخر تنفق عليه هذا المال، ويضيع حق الأيتام إذ هي القيمة، ولعل له أبا أو أما من العجزة فلا يحصلون على شيء بعد رعايتهم له سنين، فهل هذه هي العدالة أو حتى المساواة بين أهل الحاجة، ما لهم كيف يحكمون؟!
ثالثًا: مسألة التفريق في الشهادة: يُزْعَمُ أن الإسلام قلل من شأن المرأة في مسألة الشهادة إذ جعل القرآن شهادة الرجل بشهادة امرأتين، قال الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}[البقرة: 282]. ومنع شهادة المرأة في باب الحدود باتفاق أئمة المذاهب الأربعة.
وأنا أقول: الشهادة نوعان: شهادة تحمُّل وشهادة أداء؛ فأما شهادة التحمل فهي أن يكون إنسان في موقف يُدعى فيه ليشهد ويعي ويحفظ ما يقع، وذلك كعقود الزواج والبيوع والإجارة والمعاواضات وغيرها، وأما شهادة الأداء فهي أن يُستدعى إنسان ليشهد ويتلو ما رأى أو سمع، وذلك في مجلس الشهادة بشروطه، ولكلا النوعين شروط يستوي فيها الرجال والنساء، كالعقل والبلوغ والعلم والمعاينة، ومنها ما له شروط خاصة. هذه مقدمة مبسطة.
أما القسم الأول من الشهادة فهذا يؤخذ به في شهادة الرجل والمرأة معًا، فالمرأة روت القرآن بالسند والحديث بالسند ونقلت العلوم، ولها أن تشهد على العقود بأنواعها كما هو مذهب الأحناف وغيرهم.
وأما القسم الثاني فلها كذلك أن تشهد وتؤدي ذلك ولم يستثن الأحناف من ذلك إلا باب الحدود، والاستثناء هنا ليس تقليلا من شأن المرأة، ولكن مراعاة لحالها من خلال منظومة الشريعة المتكاملة؛ فالمرأة في الأصل فيها الستر والخدر وعدم المزاحمة، والمرأة كما يراد لها رفع الحرج عنها. ولزيادة التفصيل في أنواع الوقائع أقول: إن أحوال المرأة في الشهادة تختلف باختلاف الواقعة:
النوع الأول: شهادة النساء في الأمور التي لا يراها الرجال مما هو من اختصاص النساء: وقد اتفقت كل المذاهب الأربعة على قبول شهادة النساء في هذه الأمور، وقد حكى الاتفاق على هذه المسألة الإمام الشافعي رحمه الله وغيره، ومن هذه الأمور التي لا يراها إلا النساء : الرضاعة والعيوب المستورة والولادة والحيض.
النوع الثاني: شهادة النساء في الأموال: اتفق الجميع على قبول شهادة النساء في الأموال، ولا بد فيها من شهادة امرأتين، وإن اختلفوا هل تقبل شهادتهن بالانفراد أم يشترط وجود الرجل؟ فالمالكية قالوا بجواز الانفراد مع يمين الطالب، وهو وجه معتبر.
النوع الثالث: شهادة النساء في الحدود والقصاص:
اتفقت المذاهب الأربعة على عدم قبول شهادة النساء في الحدود والقصاص، ومع ذلك فقد أجاز شهادة النساء في هذا الباب بعض العلماء، وهو قول عطاء وحماد ، ووافقهم سفيان في أحد قوليه في القصاص دون الحدود، وروي عن طاووس واختاره ابن حزم والشوكاني.
النوع الرابع: شهادة النساء فيما عدا الأموال، والحدود والقصاص وما لا يطلع عليه غيرهن مثل النسب والنكاح والطلاق والعتاق والولاء، وهذا اختلف فيه الأئمة، ومع أن الجمهور على المنع إلا أن مذهب السادة الأحناف يجيز ذلك، وهو الأوجه والأرجح؛ فقد روى أبو بكر بن أبي شيبة عن هند بنت طلق قالت: كنت في نسوة وصبي مسجى بثوب فقامت امرأة فمرت فوطئت الصبي برجلها فوقعت على الصبي، قالت أم الصبي: قتلته والله. فشهد عند علي رضي الله عنه عشر نسوة –أنا عاشرتهن– فقضى عليها بالدية وأعانها بألفين.
وعن عطاء رحمه الله قال: أجاز عمر رضي الله عنه شهادة النساء مع الرجال في الطلاق والنكاح.
فإذا تأملنا ما سبق نجد أن الأصل في شهادة المرأة أمران:
الأول: رفع الحرج عنها، والثاني: احتمال الخطأ أو تجنب وقوع التأثير. فالمرأة في الشريعة الإسلامية مكفولة ولعل الكافل -زوجًا كان أو أبا أو أخا أو عمًّا- أن يؤثر عليها في اتجاه معين، فجاء الإسلام ليرفع عنها هذا؛ قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[الحج: 78]. وقال: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[البقرة: 185].
وأخيرًا أقول: إن الإسلام أيضا جعل ضوابط للشهادة تقع على الرجال أيضا، ولا يقال إنها تقلل من قيمة الرجل، ومن ذلك شهادة الرجل إذا جرّت إلى نفسه نفعًا، أو دفعت ضُرًّا، فلا تُقبل شهادة الوارث لمُوَرِّثه في مسائل ولا الضامن للمضمون عنه بالأداء، ولا الإبراء، وذهَب جمهور الفقهاء إلى أنه لا تُقبَل شهادة أحد الزوجين للآخر خلافًا للشافعي، كما لا تُقبل شهادة أصلٍ لفرعه، ولا فرعٍ لأصله؛ أي: لا تُقبل شهادة الأب لابنه، ولا شهادة الابن لأبيه، ولا تُقبل شهادة عدوٍّ على عدوِّه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داود -: « لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ» الغِمر: الحِقد والعداوة. فكل هذه الأمور تمنع من الشهادة ولا يصح أن يقال إنها تمنع من المساواة، بل تراعي الحال، والقاعدة أن كل ما دخله الاحتمال والشك رفع الاستدلال به، وهذا يعم الرجال والنساء معًا.
بقي مسألة تعدد النساء للشهادة :
أقول: إن فكرة التعدد قائمة في حالتي الرجل والمرأة؛ فالرجال كذلك لا يحكم بشهادة المنفرد منهم في كثير من الأمور بل يطلب لها اثنان، وفي الزنى والقذف يطلب أربعة، وهذا لا ينقص من قدر الرجل، أما المرأة فيطلب التعدد لعِلَلٍ؛ منها :
– مظنة الخطأ والنسيان. – مظنة الوقوع تحت تأثير الرجال. – تقوية لقلب المرأة حين ترى واحدة أو أكثر من بني جنسها تشهد معها، وهذا كله فيه صيانة للمرأة وصيانة للحقوق. وهذا ما من الله به في شأن شهادة النساء.
رابعًا: التفريق بين الرجل والمرأة في أحكام اللباس: هذا أيضا مما يثيره أصحاب هذه الدعوى:
١ – إذا نظرنا إلى لباس الرجل والمرأة في كل العهود وكل العصور حتى العصور البدائية منها، بل وفي كل المجتمعات المتحضرة، والتي هي أقل تحضرًا نلاحظ تباينًا واختلافًا بين لباس الرجل والمرأة، وهذا يدلل على أن الأمر مرده إلى طبيعة كل منهما؛ فالذي يتوجب ستره من الرجل عرفًا تستره المرأة وتزيد عليه، فكان الرجل في عهد البداوة يستر عورته المغلظة على حين أن المرأة تستر هذا وتزيد عليه ستر صدرها، وأنا أذكر هذا لأؤكد مسألة التمايز، وأنها أمر إنساني بالأساس، وجاءت الأديان فهذبته ووضعت له قواعد.
٢- للحكم على الشريعة في هذا الباب لا بد من فهم فلسفة الإسلام ونظرته للمرأة؛ فالمرأة في الشريعة هي ليست المخلوق المجرد، وإنما هي الأم، وهي الأخت، وهي الزوجة، وهي الابنة، وهذا يأخذنا إلى الأصل الذي راعته الشريعة في حال هؤلاء ألا وهو الستر، فلا أحد يريد كشف واحدة من هؤلاء، والمرأة لا تخرج أن تكون واحدة من هؤلاء، فكل مسلم يريد أمه مستورة مصونة وإن كان هو مفرطًا، وكذلك أخته وباقي الأصناف، فجاءت الشريعة وتوافقت مع هذا المرغوب، وجعلت الأصل في المرأة الستر الذي استتبع أمورًا منها تقييد اللباس بما يتوافق مع هذا الأصل.
٣- إن الإسلام أيضًا حدد أيضا لباس الرجل ومنعه من بعض أنواع اللباس كلباس الشهرة ولباس النساء ولباس النسك الخاص بديانة أخرى، ليس هذا فقط بل منعه من لباس رقيق يصف العورة، وحرم عليه الحرير الطبيعي.
وعليه: فدعوى أن المرأة لا تتساوى مع الرجل في اللباس دعوى تغفل الطبيعة والغاية عند كل منهما، ولنضرب لذلك مثالًا؛ منع الرجل من إطالة الثوب بقصد الخيلاء، وجاز ذلك للمرأة لأنه أستر لها، فهل يقول قائل: إن طول الثوب أو قصره عند أحدهما ميزة لواحد وظلم للآخر؟!
٤- الحق أن حتى هؤلاء الذين يقولون: إن الإسلام لا يساوي بين الجنسين في اللباس. هم كذلك لا يتسامحون فيه؛ فما يقول هؤلاء وماذا يصفون رجلا لبس فستانًا أو قطعة مما تختص به النساء؟! في الأعم الأغلب سينسبونه إلى الجنس الثالث، وما ذاك إلا لاستقرار الناس وتواطئهم على أن للرجل لباسًا وللمرأة لباسًا، وهذا عينه ما يقول به الإسلام.
ولعل بعض المسلمين زاد بتشدده في إنماء هذا الفهم؛ فالأخوات الفاضلات اللاتي يلبسن النقاب، وهن مع ذلك يبرزن في كل محفل ووظيفة، أعطين انطباعًا أن هذا هو لباس المسلمة دون غيره، لباس عادة يكون من السواد يغطي كل موضع عدا العينين، وهذا وإن كان رأيًا مرجوحًا عندنا إلا أن الحكم على خلافه، لكن أعود وأقول: إن كثيرا من المجتمعات العلمانية تضع ضوابط للباس الرجل ولباس المرأة، بل إن بعض المؤسسات والجيوش تفعل ذلك ولا يقول أحد إنها ليس عندها مساواة قياسًا بباقي المجتمع.
٥- إن المرأة في الإسلام جوهرة مصونة ودرة مكنونة، والشيء الذي هذا صفته نبالغ في ستره عن الأعين، نستوي نحن وغيرنا في ذلك، وليست نساؤنا ممن يعرضن في الأكشاك والبترينات سلعة تتداولها الأيدي، تتعرى لهم وهم يشاهدون.
٦- إن لباس المرأة تميز عن لباس الرجل أيضًا سدًّا لذريعة الفتنة إذا تخففت المرأة وكشفت عن مفاتنها، وفي هذا صيانة للجميع وحماية للمرأة من غائلة التعدي عليها، ونحن نسمع ونرى ظاهرة التحرش بالنساء، وهي إن دلت فإنما تدل على نظرة كل جنس للآخر، فالمرأة على العموم مطلوبة مرغوبة، والإسلام من مبادئه الوقائية مبدأ سد الذرائع، ودليل ذلك أن للمرأة أن تلبس في بيتها ما شاءت، وكذلك فإن عورتها وما يجب ستره تختلف باختلاف الناظر محرمًا أم غير محرم، فلا يطلب من المرأة أن تكون على هذه الهيئة دائمًا. هذا ما يخص مسألة اللباس.
خامسًا: دعوى التفريق بين الرجل والمرأة في بعض الأمور العامة، ومنها حرية السفر والبروز للعمل والولاية على الرجال. أما حرية السفر فالإسلام لم يمنع المرأة من السفر، وإنما جعل له ضوابط منها الإذن فيه من وليها أو من زوجها، وإن لم يكن لها جاز من غير إذن، وهذا أيضًا صيانة لها ومراعاة لحال الزوجية واحتياجاتها، وترتيبًا للواجبات المستحقة بعقد الزواج في حال الزوجية أو بالكفالة في حالة الولي؛ فالموظف المكفول من عمله لا يسافر بغير إذن الكفيل، ويحكمهما قانون يجبر المكفول بإعلام الكفيل، ولا يقول أحد أن هذا ضد المساواة، ومع ذلك إذا سافرت المرأة فقد حث الإسلام على وجود المحرم ليدفع عنها ويقوم على حاجتها ويشعرها بالمؤانسة، ولها أن تسافر مع الصحبة المأمونة، وإن لم يكن ثمة محرم على رأي الشافعية وغيرهم.
وعليه ففلسفة الشريعة هنا قائمة على الصيانة والحماية ودرء الشبهة، أما الرجل عادة فلا يحتاج إلى ذلك، فأعطي كل واحد قدر حاجته وطاقته، وهذا حكم على الأعم، ولا يرد عليه ما شذ من حالات. وبالجملة نقول: إن الإسلام أعطى للرجل والمرأة حق السفر، وجعل للمرأة ضوابط تحكم مسألة السفر تتناسب مع طبيعتها وما أرادته الشريعة منها ولها، وهذا الذي قلناه في السفر يقال في العمل؛ إذ المرأة مأذونة فيه بشروط.
أما مسألة الولاية فهذه أيضًا من القضايا التي يطنطن بها دعاة المساواة، والحق أنهم لا يفهمون من الولاية إلا أمرًا واحدًا وهو الولاية العامة، فهل المرأة ممنوعة من الولاية؟ وللإجابة على هذا نعرف الولاية: فالولاية في الاصطلاح: سلطة شرعية تمكن صاحبها من التصرف الصحيح النافذ لنفسه، أو لغيره، جبرًا أو اختيارًا، والولاية ليست نوعًا واحدًا كما يصورها هؤلاء بل لها اعتبارات متعددة:
١- باعتبار الولي: تنقسم إلى قاصرة وهي التي يتولى فيها الولي أمر نفسه مستقلًّا، وولاية متعدية، وهي التي تمكنه من التصرف الصحيح النافذ في حق غيره.
٢- باعتبار المجال: تنقسم إلى عامة وذلك أن يكون لصاحبها التصرف الصحيح النافذ في شأن من شئون المجتمع العامة، وخاصة وهي التي يكون لصاحبها حق التصرف في أمر خاص، وذلك كالأب مع الأولاد.
٣- باعتبار المصدر: وتنقسم إلى ذاتية وهي التي يستمد صاحبها الحق ابتداء من شخصه لا من غيره، ومكتسبة وهي التي يأخذ فيها الصلاحية من التخويل من غيره.
٤- باعتبار مادتها: ولاية على النفس كالحضانة، وولاية على المال كالوكالة.
وإذا نظرنا إلى كثير من هذه الأقسام نجد أن الرجل يشترك فيها مع المرأة، ولا يستثنى من هذا إلا الولاية العامة أو العظمى كما يقول الفقهاء وما يقوم مقامها، وهذا الاستثناء ليس من قبيل التمييز بقدر ما هو مراعاة لحال الرجال والنساء، فاجتماع الناس معا في حيّز لا يحكمه النظر فقط بل يحكمه أيضًا إمكان التطبيق وسهولته مع عدم ترتب مفسدة. والناظر إلى واقع الناس مسلمهم وكافرهم يجد أن هذه سنة الناس منذ القدم، بل إن أكثر البلاد تحضرًا -كما تدعي- لا نجد المرأة تمكن عمليًّا إلا من الولايات التي أجازها لها الإسلام؛ فأمريكا مثلا لا يوجد رئيس واحد من النساء، وعدد النساء كان قليلا جدًّا في أكبر محكمة فيها، وما زال لا يساوي عدد الرجال، كما أن أكثر أعضاء الجهاز التنفيذي من الرجال، وهذا حال قيادات الجيوش وأجهزة الدولة الفاعلة، على حين أننا نجد حضورًا كبيرًا للمرأة في مجال التدريس ورعاية الأطفال والتمريض والأعمال الإدارية والبرامج الترفيهية؛ فهل اختلف التطبيق بين دعاة المساواة ودعاة الشريعة؟
الجواب: لا نختلف إلا في أننا نتسق مع المبدأ وهم يسوقون المبدأ دون تفعيل.
وأخيرًا: بعد هذا العرض لأهم ما يورده من يتهم الإسلام والشريعة بالتجاوز في هذا الباب أقول:
١- إن الإسلام من مبادئه العامة العدل بين الخلق والشريعة كلها عدل وكلها حكمة وكلها مصلحة.
٢ – إن هناك فرقًا بين العدل والتسوية؛ فالأول يعطي كلًّا على حسب حاله، والثاني يعطي كلًّا مقدارًا مساويًا، وقد أثبتنا أن التسوية ليست عدلا في كل الأحوال.
٣- إن هناك مفارقة عند أصحاب هذه الدعاوى بين النظرية والتطبيق؛ فعلى حين ينعقون بالمساواة نجد أن تصرفاتهم في الأمور المختلفة لا تدل على ذلك، وإنما تنطوي في معناها على التمييز.
٤- إن الحكم على الشريعة لا يكون من خلال اجتزاء مسألة واحدة والحكم عليها؛ فالشريعة كل متكامل، بمعنى أن نقصان حق المرأة في جانب يكمله زيادة حقها في جانب آخر، أو يكون مسبَّبًا ومعلولًا بحال أو بوقت.
٥- إن كثيرًا من مسائل التمييز التي ادّعاها هؤلاء قابلة التفنيد وقد بينا ذلك في مسائل المواريث والولاية وغيرها.
٦- إن الأحاديث الواردة في حق الزوج على زوجته لا تعني الحط من قدر المرأة، بل تعني ترتيب الحقوق؛ فحديث أحق الناس بحسن الصحبة لا يفهم منه نقصان الرجل عن المرأة حين ذكر مرة واحدة وذكرت هي ثلاث، بل هو مراعاة لحالة الأمومة، فاختلاف الأحوال يؤدي إلى اختلاف الحقوق للشخص الواحد؛ فالمرأة لها حقوق على أهلها وعلى أولادها، وعليها حقوق لزوجها، وهكذا.
٧- إن الإسلام فرق بين الرجل والمرأة في الوظائف وترتب على هذا التفريق اختلاف الأحكام الذي أدى أحيانا إلى اختلاف في التكليف والتشريف؛ قال تعالى: { وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى }[آل عمران: 36]. فالأنبياء والرسل في كل العصور من الرجال، والأئمة من الرجال، والخلفاء من الرجال، ومعظم القضاة من الرجال، وهذا لا ننكره، ولا يجب أن ننكره إرضاء لأصحاب دعوى المساواة، وقد بينا علله فيما سبق.
٨- يلزم الداعية والخطيب أن يوازن بين الأمور فيعطي كل ذي حق حقه، فلا يركّز على فئة بعينها مدحًا أو تمييزًا، بل يأتي بما أتت به الشريعة متوازنًا فيذكر ما للرجل وما عليه وكذا مع المرأة. هذا والله الموفق.
المفتي: د خالد نصر