(ف69) هل صحيح أنه تبطل الصلاة بمرور المرأة والكلب أمام المصلي؟

أولًا: جاءت السنة قاطعة في حماية حرم المصلي وذلك في عدة أحاديث تخاطب المصلي والمارّ؛ منها ما رواه الشيخان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ». ومنها ما روياه أيضا عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ».
ثانيًا: حد حرم المصلي يختلف باختلاف حاله:
– فإن كان له سترة فحده سترته.
– وإن لم يكن له سترة فحده موضع سجوده وقيل ثلاثة أذرع.
والذي نفهمه من الحديث أن الحد هو الشيء القريب لذا سماه في الحديث (بين يديه) ولا يقال هذا إلا للقريب.
وعليه فمن كان يصلي في البيت أو في المسجد ولم يتخذ سترة فلغيره أن يمر ما تجاوز موضع سجوده.
ثالثًا: ورد في السنة تخصيص آخر يمنع مرور أصناف معينة؛ فقد ورد في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَقْطَعُ صَلَاةَ الرَّجُلِ المُسْلِمِ
-إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ- المَرْأَةُ , وَالحِمَارُ , وَالْكَلْبُ الأَسْوَدُ».
وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذا الحديث إلى آراء وذلك مرده إلى فهم كلمة (يقطع).
– فذهب بعض الحنابلة وأيده ابن تيمية وابن القيم إلى أن الصلاة تبطل بمرور الثلاثة؛ قال ابن القيم: صح عنه صلى الله عليه وسلم من طرق أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب الأسود. فثبت ذلك عنه من رواية أبي ذر وأبي هريرة وابن عباس وعبد الله بن مغفل, ومعارض هذه الأحاديث قسمان صحيح غير صريح, وصريح غير صحيح, فلا يترك لمعارض هذا شأنه.
– وذهب الأحناف والمالكية والشافعية إلى أن مرور واحد من الثلاثة لا يبطل الصلاة وإن كان ينقص الأجر عند المالكية والشافعية. والذي نختاره هو مذهب السادة الأحناف ومن معهم؛ وذلك للآتي:
– عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأبا بكر، و عمر، قالوا: ” لا يقطع صلاة المسلم شيء، و ادرءوا ما استطعتم” رواه الدارقطني.
– عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم صلى بالناس، فمر بين أيديهم حمار، فقال عياش بن أبي ربيعة: سبحان الله، سبحان الله…فلما سلم رسول الله صلى الله عليه و سلم، قال: «مَنِ المُسَبِّحُ آنِفًا؟» قال: أنا يا رسول الله، إني سمعت أن الحمار يقطع الصلاة. قال: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ». رواه الدارقطني والبيهقي.
– ما رواه البخاري عن السيدة عائشة قالت رضي الله عنها: شبهتمونا بالحُمُر والكلاب، والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة. وغير ذلك من الأحاديث التي تدفع هذا الرأي.
رابعًا: الجمع بين الأحاديث:
القاعدة أنه في حال تعارض الأحاديث نحاول التوفيق بينها ورفع التعارض وذلك بالتأويل وإن تعذر قلنا بالنسخ إن أمكن؛ فالذي يقال في هذا الحديث:
– إن أردنا إعمال الكل: أن القطع هنا ليس معناه الإبطال وإنما معناه الانشغال، فالكلب لنباحة ولأنه عادة ينبه صاحبه لوجود شيء كالجرس في البيت إذا صدر منه رنين يقطع تركيز المصلي ويشغله ومع ذلك لا يبطل صلاته، والحمار لبشاعة صوته ولأنه يرى ما لا يراه غيره، فعند مسلم من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا». والمرأة لأنها تشغل الرجل بالتفكر لا سيما إن كانت ممن تحل له فلعله يشتهيها فتخرجه عن الخشوع، والخروج من الخشوع يقلل الأجر.
– المسلك الثاني:
أن الحديث الأول الذي يتكلم عن القطع كان في أول الأمر وأنه نسخ بالنصوص الأخرى بدلالة قصة عياش السابقة ونفي النبي عليه الصلاة والسلام.
خامسًا: أخيرًا أقول: إن هذه الأمور بالخلاف السابق في حق من يصلي في غير الحرمين الشريفين، أما الصلاة في الحرمين فلا يمتنع المرور بين يدي المصلي كما أفتى بهذا السادة الأحناف وغيرهم وذلك رفعًا للحرج.
المفتي: د خالد نصر