(ع9) كيف سيحاسب الله البشر الذين لم تصلهم أي رسالة أو معرفة عن الإسلام سواء في العصور الماضية أو في عصرنا هذا؟

أولا: الأصل في حصول العقوبة والمؤاخذة الشرعية أن تبلغ الرسالة أيا كانت الناس أفرادا، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15]. وقال: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115]. وقال: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165].
دلت هذه الآيات أن العقوبة والمؤاخذة معلقة على بلوغ الرسالة من النبي رأسا أو من أتباعه.
وعليه فمن لم يُؤْمِن بالنبي أحوالهم ثلاثة كما قال الإمام الغزالي؛ قال رحمه الله: (إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة، إن شاء الله تعالى، أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك، ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلًا، فهم معذورون.
الصنف الثاني: بلغهم اسمه ونعته، وما ظهر عليه من المعجزات، وهم المجاورون لبلاد الإسلام، والمخالطون لهم، وهم الكفار الملحدون.
الصنف الثالث: هم بين الدرجتين، بلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبلغهم نعته وصفته، بل سمعوا أيضًا منذ الصبا أن كذابا اسمه محمد -نعوذ من ذلك بالله تعالى- ادعى النبوة، كما سمع صبياننا أن كذابًا يقال له: المقفع بعثه الله تحديًا بالنبوة، كاذبًا، فهؤلاء عندي في أوصافه في معنى الصنف الأول، فإنهم مع أنهم لم يسمعوا اسمه، سمعوا ضد أوصافه، وهذا لا يحرك النظر في الطلب).
ثانيا: الذنوب والمخالفات التي يرتكبها هؤلاء الذين لم تبلغهم الدعوة نوعان:
– نوع لا يعرف إلا بالشرع كحرمة الربا وحرمة ترك الصلاة وحرمة المقامرة وغير ذلك، فهذا وما كان في معناه يشمله ما قلته في (أولا) بمعنى أن من لم تبلغه الدعوة لا يؤاخذ عليه كما لا يؤاخذ على عدم الإيمان بالنبي.
– والنوع الثاني ما يعرف سوءه وضرره بالعقل مثل حرمة القتل والسرقة والاغتصاب والتعذيب وما في معناه، فهذا تقوم به الحجة بالعقل وتترتب عليه العقوبة، وصلته الرسالة أم لم تصله.
ثالثا: لا يعني بلوغ الرسالة أن تبلغه بالتفاصيل بل يكفي أن يعلم بالرسول، قال ابن القيم في “مدارج السالكين”: (فإن حجة الله قامت على العبد بإرسال الرسل وإنزال الكتب وبلوغ ذلك إليه وتمكنه من العلم به سواء علم أو جهل، فكل من تمكن من معرفة ما أمر الله به ونهى عنه فقصر عنه ولم يعرفه، فقد قامت عليه الحجة، والله سبحانه لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه).
رابعا: إن إقامة الحجة تختلف باختلاف الزمان والمكان وأحوال الناس، فإقامة الحجة على العامة تختلف عن إقامتها على الخاصة أو على الفلاسفة ومن في معناهم.
خامسا: أما حساب من لم تبلغه الدعوة ولم يُؤْمِن فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقول يقول: إنهم يؤاخذون بكفرهم إن كفروا. وهذا قد بينا بطلانه، وقول يقول: إنهم يمتحنون يوم القيامة، فمن أحسن دخل الجنة، ومن أساء دخل النار، وهذا يرده أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل، ولو فتح باب الامتحان لادعاه كل مستحق للنار ممن بلغتهم الرسالة.
وقد رد الله ذلك في القرآن حين قال: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 27]. {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا} [المؤمنون: 99-100].
وقول يقول: إنهم من أصحاب الأعراف، وإنهم يدخلون الجنة بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم.
والذي نختاره: هو أنهم سيحاسبون على ما ارتكبوه مما يثبت العقل فساده كالقتل والتعذيب وسلب الحقوق وأكل الأموال بالباطل، أما ما لا تعرف عقوبته إلا بالشرع فهو معفو عنه، كما أنهم سيؤجرون على أفعال الخير وإن لم يكن فعلها تدينا؛ قال تعالى: {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف: 30].
هذا والله أعلم.
المفتي: د خالد نصر